اليمن عالقاً في تقاطع النزاعات والفُرص الضائعة
الاربعاء 26 يونيو 2013 الساعة 09:45
ماجد المذحجي

لقد شكل الصراع العنيف، ومن ثم التفاوض والتسوية السياسية بين الخصوم، سمة الحالة السياسية اليمنية الأبرز، منذ نشوء الدولة الوطنية الحديثة في اليمن في الستينيات، وما يبدو كحكمة يمنية في إنهاء العنف واللجوء للحوار، لم يكن سوى طريقة مُعتادة في تنفيس الاحتقان العام، وإدارة النزاع بين شركاء يتخاصمون أحياناً، وهكذا أديرت التسويات بين الأطراف السياسية في الظل على الدوام، أي في تلك المنطقة غير المنظورة لعموم اليمنيين، حيث تسترخي مراكز القوى التقليدية في إنجاز تسوياتها بعيداً عن المساءلة، ومحمية بإكراهات الاستبداد العنيفة التي كانت تكفل إبعاد المجتمع عن السياسة. بالتأكيد تغير هذا الوضع نسبياً في المرحلة الحالية، حيث فرض الصراع بين الفاعلين السياسين التقليديين، نفسه في ظروف متغيرة، ضمن الثورة وبعدها، وفرض عليهم تقبل فاعلين جدد، وأن تُدار التسوية التي اعتادوها في الظل، لتصبح تحت النظر العام، وهو ما يقيد قدرتهم على إنجاز الاتفاقات بذات الطريقة القديمة، ولكن على أهمية هذا الموقع المكشوف لمسار التسوية السياسية القائم، فإنه لا يضمن أن العملية التفاوضية الحالية ستفضي إلى إنجاز مدنية الدولة، وترسيخ الحكم الرشيد في بنيتها، وضمان عدم معاودة النفوذ واحتكارات المصالح والحكم القديمة من الأبواب الخلفية.

إن الفاعلين السياسيين التقليديين في اليمن يتموضعون الآن في قلب التحولات الجديدة التي تمر بها البلاد، وتقود تفاعلاتهم السياسية في ما بينهم مسار الأحداث، ويقع على رأس هؤلاء الفاعلين الإصلاح والمؤتمر ومراكز القوى التقليدية مثل مشائخ القبائل، ولكن على الرغم من نفوذهم الكبير الذي استطاعوا الاحتفاظ به بعد ثورة 2011، لا يوجد شك كبير في أن مكانتهم قد اهتزت نسبياً بصعود فاعلين آخرين إلى المشهد، مثل الحوثيين والحراك الجنوبي، وأيضاً القوى الجديدة مثل النساء والشباب. كل ذلك حتم نقل ادوات العملية السياسية في اليمن إلى بعد جديد، محكوم بصيغة تفاوضية جديدة فرضت من قبل الفاعلين الإقليميين والدوليين، ضمن صيغة المبادرة الخليجية، وعبر مسار الحوار الوطني، حيث يُفترض بهذا الأخير أن ينجز تغييراً جوهرياً في شكل الدولة القادمة، بشكل يُلبي مطالب التغيير، ويحول من دون معاودة شبح الدولة الفاشلة الذي ما زال يُطارد اليمن، وهو ما لا تبدو المؤشرات بخصوصه ذاهبة نحو نتائج إيجابية، ولا يبدو إصرار هادي وحكومة الوفاق على عدم إنجاز أية تهيئة في الأرض، بعدم تنفيذ النقاط الـ20 التي أقرتها اللجنة الفنية للحوار الوطني، إلا أحد العوامل الأساسية في افتقاد هذا المؤتمر الجاذبية والمصداقية للعموم ولأطراف حراكية أساسية لم تُشارك فيه، وسبباً في تفاقم الصراعات السياسية، وتلك العنيفة أيضاً على الأرض بين الفرقاء المتحاورين ذاتهم. كل ذلك يجعل من الرهان على الحوار الوطني مقامرة خاسرة، في ظل ازدحام الوقائع التي تؤكد ذلك، رغماً عن البربوجندا الإعلامية والسياسية الواسعة التي تسوق مؤتمر الحوار الوطني كمخلص جديد لليمنيين!

بالتأكيد ما زال المسار السياسي الجديد هشاً، وعُرضةً لمخاطر متعددة، ولا يبدو أن أوزان القوة تغيرت كثيراً في اليمن، والإقرار الرسمي الضمني الذي كفلته صيغة الحوار الوطني بوجود مصالح سياسية للنساء والشباب، يجب أن تُراعى، وبالتالي أدوار لهم لحمايتها وتمثيلها، لا يعني تمتع هؤلاء بالقدرة على إحداث الفرق في المشهد، ويُمكن التأكيد أن التمكين للنساء الذي فُرض على الفاعلين التقليديين عبر نسبة 30% في قوام المؤتمر، لن يتعدى هذا المستوى الأولي والشكلي المحدود، كما شكل تماهي الممثل الدولي جمال بن عمر مع الأطراف السياسية القوية في اليمن، واكتفاء الصيغة الأممية التي يُمثلها بطريقة إدارته للأمور، مع غياب كامل للبنى المؤسسية للأمم المتحدة في التعامل مع المرحلة الانتقالية، أحد أسباب تقلص الدور والتمثيل المدني الجديد بتعبيراته النسوية أو الحقوقية أو المثقفة، والاكتفاء بهذه المستويات المحدوده الحاضرة في المسار السياسي الحالي، وعدم وجود أجندة أو استراتيجية أكثر شمولية في تمكين هذه التمثيلات الجديدة بعيداً عن الطريقة الاستعراضية، والمتواطئة مع مصالح مراكز القوى، التي حضر بها إشراف بن عمر على الأمر!

إن الاحتقان المتزايد في الجنوب ليس منظوراً له بجدية من قبل القوى السياسية المختلفة، حيث يُشكل بدء مسار الحوار الوطني من دون اتخاذ إجراءات بناء الثقة، سبباً في تآكل الرهان عليه من قبل الجماهير الغاضبة. وعلى الرغم من الهوية الجنوبية للرئيس الانتقالي، إلا أنه يُدير في أحد المستويات الأمور المتصلة بالجنوب، ضمن تقديرات ومشاعر تستدعي صراعات سابقة كان هو أحد أطرافها في جنوب ما قبل الوحدة، وهو ما يزيد الأمر اشتعالاً، ويفاقم من تهديد ما يحدث في الجنوب لمستقبل وشكل اليمن وفرص بقائه كما هو عليه موحداً. وإضافة لذلك فإن الاستقطابات الحادة القائمة على تعريف ضيق للهوية الجنوبية، التي تتغذى من غياب المعالجات الوطنية، وتحريض المتطرفين، تتسبب في خلق مشاعر الكراهية، وحوادثها الخطرة، في مواجهة الشماليين، بما قد يُضيفه ذلك من بعد خطر للغاية سيعزز الصراعات المشتعلة.

لقد أغلق الاستبداد واحتكار السلطة الفرص أمام وجود مسار سياسي واجتماعي يتطور فيه المجتمع اليمني نحو طبيعة أكثر مدنية، يندمج فيها الجميع في هوية وطنية، ويعبر الناس فيها عن أنفسهم عبر صيغ التمثيل السياسي الحديث، بعيداً عن هوياتهم العصبية الصغيرة، ولذلك تُحرك خسارة فرصة البناء على اللحظة الوطنية الجامعة التي أتاحتها الثورة في 2011، الارتداد الكبير نحو تعزيز خطوط التمايزات والانقسامات بين اليمنيين، والتي لتمنحهم في مواجهة بعض هويات مناطقية ومذهبية وجهوية، وهو أمر يتغذى من الصراعات الأكثر اشتعالاً في الجنوب والشمال، والتي على طرفيها كل من الحراك والحوثيين متقاطعين مع خصم مُشترك هو الإصلاح الذي يأخذ هوية مذهبية سنية في مواجهة الحوثيين، وهوية جهوية شمالية في مواجهة الحراك.

إن حزب الإصلاح يتصدر الواجهة كالطرف السياسي الأكثر استقطاباً للنزاعات في المرحلة الحالية، وذلك في أحد المستويات عائد لما يُبديه من نزعة استحواذية واسعة على الدولة، همش في سعيه لتلبيتها حتى شركاءه، هذا علاوةً على كونه الجماعة السياسية الأكثر تنظيماً وامتداداً على الخارطة الوطنية، ولذلك فصعود أية جماعة سياسية في أي موقع جغرافي شمالاً وجنوباً، سيعني بالضرورة التصادم معه، وفي مواجهة جماعات فتية صاعدة مثل الحوثيين والحراك، يُصبح هذا الحزب، الذي يرى نفسه الطرف الأكثر جدارة بالحكم، متوتراً مثل خصومه الذين يرون فيه أيضاً التهديد الأكبر، بينما لا تبدو عملية التفاوض السياسية خلال المرحلة الانتقالية عبر الحوار الوطني وغيره، كافية لتهذيب التمظهرات العنيفة لصراعات هذه القوى، أو مُطمئنة لهم كي ينقلوا ثقلهم إليها.

بالتأكيد تتسع الآن دائرة المخاطر التي تهدد مسار المستقبل السياسي في اليمن، ولا يبدو الاحتقان الطائفي الذي تتزايد مستوياته، إلا مؤشراً بالغ الدلالة عن التهديد الجدي الذي يُشكله على فرص اليمنيين الجديدة، وفي ذلك فإن انتقال الصراع السياسي بين الحوثيين والإصلاح إلى المستوى المذهبي بشكل غير مُسبوق، يبدو الملمح الأبرز لهذه المخاطر الحقيقية، حيث يتم استخدام الأداة الطائفية في الحشد المتبادل بين الطرفين، وذلك للسهولة التي يحرك فيها كل طرف عبرها جماهيره المتوترة، ويُحكم السيطرة عليها، فلطالما كانت العصبية الدينية مُحركاً ناجحاً وشديد الزخم للجماهير في الصراعات السياسية، كما أن تصاعد الصراع بين الطرفين إلى هذه المستويات الخطرة، لا تتغذى أسبابه على النزاع المحلي بينها على السيطرة وإثبات القوة، وانتزاع النفوذ في المحافظات والدولة، بل يتغذى أيضاً على التمحورات الإقليمية الخطرة التي يرتبط كل منهما في أحد أطرافها، وهي التي بدأت تأخذ شكلاً مذهبياً متصاعداً بسبب الصراع في سوريا.

إن ضرب الخدمات العامة الأساسية كالكهرباء ضمن استخدامات سياسية لهذا السلوك، يُفتت ما تبقى من تقدير عام لفكرة الدولة وقيمتها وهيبتها على المستوى الشعبي، ويخصم بشكل سريع من المُنجز السياسي المحدود للرئيس هادي، وهو أمر يتضافر مع إدارته المُعلنة لعملية التحاصص والنهب الواسع للوظيفة العامة من قبل أطراف المُبادرة الخليجية، وما يبدو كونه رعاية للفساد الذي يتم الكشف عن وقائعه في الصحافة بشكل مستمر، دون أن يُحدث فرقاً، وإعادة تكريس مراكز النفوذ في الجيش، سواء بالإبقاء على اللواء علي محسن الأحمر، وتعزيزه، أو بـ"أبينة" مواقع السيطرة الأساسية... الخ. ووفق هذا الطبائع التي تُفصح عن السلطة الحالية في البلد، يُعاود اليمنيين الإحساس بالخيبة والانكفاء بعد أن تم تبديد الفُرص المُتاحة التي كانت أمامهم، لتأتي كارثة عودة المُهجرين القسرية من السعودية المرتقبة، مُفتتحاً لأزمة شاملة ستكون العنوان الأساسي الذي تُعرف من خلاله اليمن في الأعوام القادمة.

سبافون
مقالات
عن بيان الاصلاح

» أحمد عثمان

باسور اسمه "علي محسن"

» يحيى الثلايا

قبل فوات الأوان

» د. أحمد عبيد بن دغر

الحدث العدني انقلابي بامتياز

» عبدالرقيب الهدياني

ابناء الارض ..

» علي الجرادي

ديكتاتور ..اسلامي..

» علي الجرادي

جميع الحقوق محفوظة لموقع نيوز يمن © 2017