د. أيوب الحمادي

د. أيوب الحمادي

حلول استراتيجية لمشاكل اليمن.. قطاع الكهرباء

الاثنين 07 مارس 2022 الساعة 06:06 م

في عام 2014 كنت في مكتب صندوق المانحين في اجتماع مع وزير النفط خالد بحاح، والمدير التنفيذي للصندوق بعد أن اتصل الأخير بي لأكون معهم. 

كان بحاح يتحدث عن الحوكمة لوزارة النفط والإصلاحات، إلى أن وصلنا بالحديث إلى وزارة الكهرباء، فكان تعليقه: هذه وزارة مشاكلها تحتاج رسولا بمعجزات من السماء.

 ولذا كان الجميع لا يريد أن يكون وزيرا لها، لأنها تحتاج معجزة، هذا ما فهمته منه، ولأن كل وزير كان يجد المشكلة معقدة لا يدري أين المخرج.

 ولهذا لم ينجح أي وزير، وكل وزير كان يشغل نفسه بتوقيع اتفاقيات في مسلسل ممل دون معنى. 

وعني أستغرب أصلا أن الحكومة والقيادة كانت تدرك مشاكل الكهرباء لكن حلولهم كانت شطحات، ابتداء من الطاقة النووية، إلى شراء محطات هالكة وغير فعالة إلى اتفاقيات مع المملكة وإثيوبيا وتركيا وكندا والصين إلى غير ذلك. 

وأذكر أنني أخرجت قلمي في الاجتماع وقلت لهم: أعطيكم مثالا، لو تكلفة إنتاج القلم هذا مائة دولار، وقلت عليكم بتخفيض القيمة الإنتاجية إلى النصف، فكيف سوف تبدأون هنا؟ 

فقلت احتمال البعض يفكر بتغيير تصميم الغلاف، لأنه كبير، وآخر سوف يفكر بسلك الزنبركي وقصبة المداد، وهكذا، وسوف نبذل جهودا جبارة.

 لكن قد تستغربون لو قلت لكم إن تكلفة الغلاف فقط 5 في المائة، والقصبة 10 في المائة، والزنبركي 10 في المائة، بمعنى كل التكلفة للعمل في هذه المحاور لن يقودنا حتى وإن خفضنا 50% من كل شيء من هذه الأشياء إلى تخفيض 12 في المائة، والسبب أننا لم ندرك أين يجب أن نركز جهدنا لنجد أثر ونهاية الجهود المهدورة أنه لا زالت تكلفة القلم لم تتغير، أي المشكلة قائمة.

 وفي القلم السن للكتابة هي التي تكلف الكثير برغم أنها آخر شيء فكرنا بها.  

وكذلك الحال لحل مشاكل اليمن في الكهرباء أو غيرها، فنحن لا نفتقر للمال ولا الإمكانيات، ولكن نرتجل، ونتخبط هنا وهناك، ونبذل جهدا في مكان لا يحدث أثرا.

 صفقات لمحطات غير مجدية أرهقت المجتمع، ونفقات تشغيلية لا تنتهي من المازوت والغاز والديزل، ومضاعفات بيئية لا تحتمل، وكوادر للتشغيل والصيانة لا بد من توظيفهم وتأهيلهم. 

هذه المشاكل تتوسع وتتضاعف لعدد محطات الكهرباء الحكومية ال19.

 محطات كلفت مليارات الدولارات، وأيضا كلفنا مليارات الدولارات نفقات تشغيلية، ولتغذيتها بالمازوت والديزل والغاز.

 ولو فكرنا بشكل طبيعي، كيف نجد حلا مثل بقية البشر فإن الاستثمار في الطاقة المتجددة كان أجدر، وأرخص، وبمرات عدة، ويجعل الدولة تتحرر من تكاليف المازوت والديزل والصيانة والغاز للأبد، لا سيما واليمن عندها 2500 كم من الشريط الساحلي بمتوسط سرعة رياح تصل إلى 8 متر في الثانية، وتعتبر المخا والمهرة هما الأفضل.

 وحتى نفهم أننا نهدر أموالا أبسط لكم هذا الأمر من باب حساب تكلفة بناء محطات الكهرباء من الرياح، يمكن حسابها كتقدير كما يلي:

 لكل كيلو وات كهرباء يتم في العادة هنا في ألمانيا حساب 1092 يورو، وإذا أردنا مثلا أن نبني محطات كهرباء عبر الرياح فنحن سوف نحتاج 3 ملايين و300 ألف يورو لمحطة لإنتاج  3 ميجاوات، بمعنى ل1000 ميجاوات نحتاج مليارا و100 مليون دولار من دون الشبكة.

 ولو نظرنا لاحتياج اليمن فقد كان إنتاج ال19 محطة هو 1097 ميجاوات، بمعنى لو قلنا نحتاج 1500 ميجاوات فإننا نحتاج مليارا و638 مليون يورو كتكلفة، وحتى ولو كانت مليارين فذلك استثمار رائع ومجد.

 1500 ميجاوات هي احتياج اليمن الحقيقي، حيث في عام 2013 كان إنتاج ال19 محطة كهرباء في الجمهورية 1097 ميجاوات من محطات غاز ومازوت وديزل أرهق الدولة وكلفها مليارات الدولارات للإنشاء وللخدمات ومليارات للتشغيل، ورغم ذلك انقطاعات مستمرة، شبكة مهترئة، انعكاسات سالبة على التنمية والخدمات، وإهدار فرص حقيقية للاستثمار وللعمل وحلول هشة مؤقتة تشبه الاسبرين. 

نحن لا نحتاج معجزة ولا رسولا من السماء، وإنما فريقا محترفا يفكر خارج الصندوق.

فلو كانت أنفقت الدولة فقط جزءا من المبلغ لتم بناء محطات رياح لن تكلف الدولة إلا مليارا و638 مليون يورو أو حتى مليارين كما سبق، ولن نحتاج لا مازوت ولا غاز ولا ديزل، وأنا حسبتها كما تحسب المحطات هنا في المانيا. 

والسؤال هل هناك أرقام تقديرية كم ممكن نولد من طاقة لو تم استغلال الرياح؟، والإجابة من حيث الإمكانيات الفنية ليس أقل من 15 ألف ميجاوات. 

وكان هناك مشروع لبناء مزرعة إنتاج الطاقة في المخا بقدرة 60 ميجاوات بتمويل من الصندوق العربي للإنماء والبنك الدولي كبداية قبل الربيع العربي، وبسبب الصراع خسرنا المشروع.

أحدكم سوف يقول: كم تنتج ألمانيا كهرباء من الرياح، والإجابة في عام 2020 بلغت القدرة الإنتاجية للكهرباء لتوربينات الرياح على اليابسة 54.4 جيجاوات و7.75 جيجاوات في الماء بمعنى 62 جيجاوات، أي ما يعادل 62 ألف ميجاوات، أي أكثر من احتياج اليمن ب40 مرة تقريبا، ولا يحتاجون لذلك مازوت ولا ديزل ولا بنزين ولا غاز فقط رياح.

 ما تنتجه ألمانيا من الرياح 23 في المائة من استهلاك ألمانيا الإجمالي للكهرباء. 

واليمن تحتاج حاليا فقط 1.5 جيجاوات بمعنى ما بين 4 إلى 6 آلاف توربينة من الناحية الفنية، حيث أن تكلفة توربينات الرياح البرية حوالي 3 ملايين و200 ألف يورو، وهي أرخص من تكلفة توربينات الرياح البحرية، والتي تتراوح تكلفتها بين 2.5 مليون يورو و4 ملايين يورو. 

كتبت الآن هذا على السريع لأن أحد الإخوة عقب، كيف تتحدث عن اقتصاد معرفي، ونحن لم نجد حلا للكهرباء.

*من صفحة الكاتب على الفيسبوك