د. عيدروس نصر

د. عيدروس نصر

تابعنى على

في الذكرى الخامسة والخمسين للاستقلال الوطني

الأحد 27 نوفمبر 2022 الساعة 08:17 م

لن أكتب عن ذكريات اليوم الأول للاستقلال في الثلاثين من نوفمبر 1967م، حينما أعلن الرئيس قحطان الشعبي -عليه رحمة الله- عن قيام جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية، في ذلك الصباح البهي الذي تميز ليس فقط بالبهجة والفرح العارم الذي عم البلاد، بل وحتى بطقسه الجميل المشمس المعتدل البرودة في مناطق الريف الجنوبي وبالذات الجبلية منها.

رغم أنني ما زلت أتذكر صوت الفنان محمد محسن عطروش وهو يشدو بمواله الحزين على مقام الصبا:

"ليه هكذا يا ابن الوطن

تبكي على ذي سقط

في ساحة الميدان؟

شف ذي سقط في ساحة الميدان

والله شهيد با يدخل الجنة

ابكِ على ذي قضى عمره

يعبد الدينار ابكِ عليه 

مثل العبيد، لا تقترب منه

شوف الزمن قد كتب إنه

عبد الاستعمار.. عبد الاستعمار"

ثم ينتقل إلى الجزء الإيقاعي

"بالله عليك يا شاب بوس التراب

شوف التراب لغبر أصله شباب  . . ." إلى آخر النشيد.

ما سأتوقف عنده اليوم هو قضية أخرى تؤرق كل الذين يستحضرون مشاعرهم الجميلة كلما مرت ذكرى ثورة 14 أكتوبر أو 30 نوفمبر بما تحمله من دلالات مميزة في التاريخ الجنوبي الحديث، أقول تؤرق أولئك منذ ما يقارب الثلاثة عقود، وذلك من خلال السؤال:

هل سيفعلها رئيس وأعضاء مجلس القيادة الرئاسي، فيعيدون الاعتبار لثوار 14 أكتوبر الذين بكفاحهم ونضالاتهم وتضحياتهم تحقق الاستقلال الوطني في 30 نوفمبر 1967م وقامت الدولة الجنوبية الجديدة الواحدة الموحدة؟

أعرف أن الكثيرين من ثوار 14 أكتوبر من قادة ومناضلي الجبهتين القومية والتحرير قد انتقلوا إلى رحاب الرفيق الأعلى، وهؤلاء ممن همشتهم الصراعات السياسية وحولتهم إلى أعداء واستبعدهم المنتصرون ونسبوا إليهم ما لا علاقة لهم به من الاتهامات والألقاب والشتائم البغيضة.

 أقول إن هؤلاء أيضا يستحقون رد الاعتبار والاعتذار لهم عما لحق بهم من أذى جسدي أو معنوي، لكن الكثيرين من ثوار أكتوبر وصانعي نوفمبر ما يزالون على قيد الحياة وما تزال تهم التخوين والاتهام بالعمالة والخيانة والانفصالية وغيرها من مفردات القاموس التسلطي الاستبدادي العدائي تنسب إليهم، لا لشيء إلا لأسباب خلافهم مع من انتصر عليهم ذات يوم.

أعرف أن الحكام ومعهم كتابهم وإعلاميوهم سيتحدثون في خطاباتهم ومقالاتهم وتصريحاتهم عن ذلك اليوم العظيم (الثلاثين من نوفمبر) لكنهم لن يقولوا شيئا عن منجزاته العظيمة ذات القيمة الإنسانية والاجتماعية والوطنية التي أوصلت خيراتها وثمارها اليانعة إلى منازل الفقراء وحارات البسطاء وأكواخ المهمشين وكل فئات الشعب الكادحة.

 فلن يتحدثوا عن العلاج المجاني الذي كفل التطبيب والدواء والتمريض والتوليد ورعاية الأمومة والطفولة مجاناً لكل أفراد المجتمع، ولا عن التعليم المجاني والأقسام الداخلية ولا عن مدارس أبناء البدو الرحل التي من بين طلابها تخرج الأطباء والطيارون والمهندسون والقادة العسكريون والسياسيون والقضاة والمحامون وعلماء البيولوجيا والفيزياء والكيمياء والطبوغرافيا والاقتصاديون وأساتذة الجامعات.

 لن يتحدثوا عن هذا ولا عن القانون والنظام والقضاء العادل والضبط والربط واحترام القيم المدنية وتفعيل الحياة المؤسسية وتلاشي الفوارق الطبقية والاجتماعية بين المواطنين.

 لن يتحدث هؤلاء عن تلك المعاني والتحولات والمنجزات، لأنهم قد سحقوها وحولوها إلى نماذج ميتة في متحف التاريخ.

لكن البرهان الحقيقي على صدقية احترام هؤلاء للذكرى العظيمة للاستقلال الوطني يمكن التماسها من خلال نقطتين:

1. الاعتذار لثوار 14 أكتوبر وصانعي يوم الثلاثين من نوفمبر وللشعب الجنوبي كله عما  ألحقته بهم وبتاريخهم الحروب والاحتلال من أذىً وأضرارٍ لا تمحوها تقادمات الأزمنة.

2. تكريم ثوار أكتوبر من الجبهتين القومية والتحرير والتنظيم الشعبي ممن لا يزالون على قيد الحياة، وشطب الاتهامات والشتائم السياسية المنسوبة إليهم والاعتراف بدورهم التاريخي في صناعة ملحمة الاستقلال وبناء الدولة الجنوبية الواحدة الموحدة.

لم أكن أرغب في الحديث عن أسماء بعينها لأنني لا ألم بكل أسماء القادة والمناضلين الأكتوبريين، كما ان الحيز لا يتسع لمئات الأسماء منهم، لكن ما سأشير إلى أصحابها من أسماء في السؤال التالي هي على سبيل المثال لا الحصر:

هل سيفعلها رشاد العليمي ورفاقه في المجلس الرئاسي ويصدرون قرارا بمنح وسام الثورة 14 أكتوبر أو وسام الاستقلال 30 نوفمبر للسادة التالية أسماؤهم على سبيل المثال (مع حفظ الألقاب والمسميات): المناضل محمد سالم با سندوة، المناضل علي سالم البيض، المناضل علي ناصر محمد، المناضل سالم صالح محمد، المناضل أحمد محمد القعطبي، المناضل خالد عبد العزيز، المناضل أحمد مساعد حسين، المناضل حسن أحمد باعوم، المناضل أنيس حسن يحيى، المناضل محمد حيدرة مسدوس وغيرهم العشرات من ثوار أكتوبر من جبهتي القومية والتحرير والأحزاب والنقابات المدنية الجنوبية ممن تصدوا للنظام الاستعماري وتحملوا صلف وعنجهية نظامه البوليسي وقمع أجهزته الاستخباراتية، فضلاً عن المتوفين من زعماء وقادة الجبهات ومنفذي العمليات الفدائية من المعلومين والمجهولين والذين لا يتسع الحيز لاستعراض أسمائهم؟

إن من شأن خطوةٍ كهذه أن تقدم برهاناً على أن قادة اليوم يدركون معاني النضال والتضحية والفداء التي صبغت أرواح ومسالك وتفكير هؤلاء وهم يخوضون معركة التحرير ويسعون لتحقيق الاستقلال الناجز للبلد وقيام دولة الجنوب المستقلة كاملة السيادة على كامل الأرض الجنوبية.

فهل سيفعلونها؟؟!!

*من صفحة الكاتب على الفيسبوك