د. علي النعيمي

د. علي النعيمي

تابعنى على

حين ترتد الإساءة للإمارات على أصحابها

منذ ساعة و 32 دقيقة

في السياسة، تُقاس المواقف بقدرتها على الصمود أمام الوقائع، لا بحدة الخطاب ولا بارتفاع النبرة. الدول التي تدرك هذا المعنى تدير خلافاتها بوعي، وتزن كلماتها كما تزن أفعالها، لأن ما يُقال اليوم يُسجَّل غداً ضمن رصيد الدولة ومكانتها. من هذا المنطلق، يصبح ضرورياً التوقف عند ظاهرة شيطنة الإمارات، لا بوصفها خلافاً سياسياً مشروعاً، بل كسلوك يضر بمن يمارسه أكثر مما يمس الدولة المستهدفة.

من يروّج الأكاذيب ضد دولة الإمارات العربية المتحدة لا يطعن في صورة دولة خارج حدوده فحسب، بل يضع بلده وقيادته في موضع مساءلة غير مباشرة أمام العالم. فالدول لا تُقيَّم فقط بما تحققه على الأرض، بل أيضاً بطريقة إدارتها للاختلاف. الخطاب المتسرع، حين يصدر رسمياً أو شبه رسمي، لا يُفهم دولياً كجرأة سياسية، بل كدليل على ارتباك في القراءة، وعجز عن ضبط الخلاف ضمن القواعد العقلانية التي تحكم العلاقات بين الدول.

الإمارات ليست كياناً معزولاً، ولا طرفاً هامشياً في معادلات المنطقة. حضورها الاقتصادي، والأمني، والاستثماري، وحضورها في ملفات الطاقة والتجارة والاستقرار الإقليمي، حضور فاعل ومؤثر ومعروف. شبكة علاقاتها بُنيت على مصالح متبادلة، والتزامات طويلة الأمد، وثقة تراكمت عبر سنوات. حين تُستهدف بهذا الخطاب، فإن الرسالة التي تصل إلى المستثمرين وصنّاع القرار والدبلوماسيين لا تقول إن الإمارات موضع إشكال، بل تشير إلى أن الدولة التي تصدر عنها هذه الحملات غير قادرة على إدارة خلافها باتزان. في التقييم الدولي، لا يُفصل بين طرفين متخاصمين. كلاهما يخضع للمعايير نفسها، وكلاهما يتحمل تبعات ما يصدر عنه.

استهداف الإمارات لا يُقرأ في كثير من العواصم بوصفه خلافاً سياسياً عادياً، بل بوصفه استهدافاً لنموذج دولة اختارت الاستقرار وبناء المؤسسات وضبط المجال العام. حين تُستهدف الإمارات عبر الأكاذيب والتشويه، يُفهم ذلك عالمياً على أحد وجهين لا ثالث لهما: إما رفض صريح لهذا النموذج، أو عجز عن منافسته إلا عبر النيل منه. هنا لا يُطرح السؤال: لماذا نجحت الإمارات؟ بل يُطرح سؤال أكثر حساسية: لماذا أخفقت الدولة الأخرى في تقديم بديل مقنع؟ هذا السؤال، حين يُتداول داخل مراكز التفكير أو دوائر القرار الدولية، لا يكون في مصلحة أي قيادة تسمح بانزلاق خطابها من السياسة إلى الانفعال، ومن النقد المسؤول إلى التحريض.

الخطاب التحريضي لا ينجح في إخفاء أزمات الداخل، بل يكشفها على نحو أوضح. الدول الواثقة من خياراتها لا تحتاج إلى اختلاق خصوم لتبرير تعثرها أو لتفسير إخفاقاتها. وعندما يُستدعى “العدو الخارجي” لتغطية ارتباك داخلي، فإن الرسالة التي تُلتقط خارجياً تكون مباشرة: هناك أزمة لم تُدار، ومسؤوليات لم يُتحمَّل عبؤها، وأسئلة أُجِّلت بدل الإجابة عنها. قد يخلق هذا الأسلوب ضجيجاً عابراً أو تعبئة مؤقتة، لكنه لا يصمد أمام الوقائع، وسرعان ما يرتد على أصحابه، سياسياً ومعنوياً، ويُضاعف كلفة ما حاولوا الهروب منه.

ثم هناك الوقائع التي لا يمكن القفز فوقها. سجل الإمارات في مكافحة التطرف، وفي دعم الاستقرار، وفي الوساطة الدبلوماسية، وفي العمل الإنساني، ليس موضع جدل جدي. هو موثق في تقارير دولية صادرة عن الأمم المتحدة، والبنك الدولي، ومؤسسات مالية وتنموية معترف بها. إنكار هذه الوقائع من دون سند لا يُفهم كنقد، بل كإنكار للواقع. وفي نظام دولي تحكمه البيانات والمؤشرات والنتائج الملموسة، هذا المسار يضعف مصداقية من يتبناه قبل أن يمس الطرف الذي يستهدفه.

الأثر الأوسع لشيطنة الإمارات يتجاوز العلاقة الثنائية ليصيب فكرة الشراكة الإقليمية نفسها. المنطقة تمر بمرحلة دقيقة، مثقلة بالأزمات، ولا تحتمل مزيداً من الصراعات المصطنعة أو الحملات الإعلامية العبثية. كل دولة تختار هدم جسور الثقة مع شريك فاعل إنما تساهم في تعميق فراغ الاستقرار، وتتحمل لاحقاً كلفة هذا الفراغ على أمنها واقتصادها ومكانتها. التجارب القريبة تؤكد أن من اختار الخصومة بدل إدارة الخلاف خسر أكثر مما كسب.

في المحصلة، من يسيء إلى الإمارات لا يضعفها. الإمارات أثبتت أن حضورها لا يقوم على الردود، بل على وضوح الرؤية واستمرارية المشروع والقدرة على تحقيق النتائج. لكن من يسلك طريق التشويه يضع بلده وقيادته في موقع مرتبك أمام العالم، ويخصم من رصيدهما السياسي أكثر مما يتصور. في السياسة، الثقة لا تُبنى برفع الصوت، بل بثبات الموقف، وبمشروع قادر على الوقوف بذاته، من دون حاجة إلى خصم أو شماعة. 

من صفحة الكاتب على إكس