منذ اللحظة الأولى لانقلاب مليشيا الحوثي المدعومة من إيران، لم تكن تعز مجرد مدينة ضمن خارطة الحرب، بل تحولت إلى نموذجٍ صارخ لمعاناة مركبة، حصار خانق من الخارج، وفساد مُرهق من الداخل. سنوات طويلة وأبناء المدينة يقاتلون على جبهتين: جبهة البقاء في وجه الحصار، وجبهة الصبر في وجه الإهمال.
ورغم أن عدداً من المحافظات المحررة بدأ يلتقط أنفاسه ويتجه نحو التعافي الإداري والخدمي، لا تزال تعز عالقة في دوامة الأزمات، وكأنها خارج حسابات الدولة. لا خدمات تُذكر، ولا مشاريع تُرى، ولا حلول تلوح في الأفق، فيما تتضاعف معاناة السكان يوماً بعد آخر.
في هذا الواقع الاستثنائي، لم يعد صوت أبناء تعز مجرد شكوى، بل تحول إلى مطلبٍ مشروع وواضح: دولة حاضرة، نظام يُطبّق، وفساد يُقتلع. مطلبهم ليس ترفاً، بل حقٌ أصيل في العيش الكريم أسوةً ببقية المدن المحررة.
وفي مقدمة هذه المطالب، تأتي الخدمات الأساسية التي تحولت إلى حلم بعيد: كهرباء مستقرة، مياه متوفرة، شوارع صالحة، وشبكات صرف صحي قادرة على حماية المدينة من الكوارث. كما يطالب المواطنون باستعادة ممتلكات الدولة المنهوبة، من آبار مياه ومولدات وشبكات كهرباء، ومحاسبة النافذين الذين حولوها إلى مصادر ربح خاص.
ولم تعد الجبايات غير القانونية مجرد تجاوزات، بل أصبحت عبئاً يومياً يخنق المواطن. من الغاز والبترول، إلى الوثائق الرسمية والبضائع، تُفرض رسوم بلا سند قانوني، في ظل احتكار واضح وتلاعب بحصص المدينة، وسط غيابٍ تام للمحاسبة.
اقتصادياً، تتفاقم الأزمة مع استمرار التلاعب بأسعار الصرف وغياب الرقابة، ما انعكس مباشرة على أسعار السلع والخدمات، من الغذاء والدواء إلى التعليم والصحة. وهنا يبرز مطلب ملح بتفعيل الأجهزة الرقابية، وضبط السوق، وإجبار التجار على الالتزام بالأسعار العادلة.
أما جوهر الأزمة، فيكمن في بقاء منظومة الفساد دون تغيير. فالمطالب لم تعد تقتصر على الإصلاح، بل وصلت إلى ضرورة إزاحة القيادات الفاسدة في السلطة المحلية والأجهزة الأمنية والعسكرية والقضائية والإدارية، ومحاسبتها بوضوح، مقابل تمكين الكفاءات الوطنية النزيهة.
اليوم، يضع أبناء تعز هذه المطالب أمام مجلس القيادة الرئاسي، ليس من باب المناشدة، بل من منطلق الاستحقاق. فمدينة قدمت تضحيات جسام لا يمكن أن تبقى رهينة الإهمال أو ضحية الحسابات الضيقة.
تعز لا تطلب المستحيل… بل تطلب فقط أن تُعامل كمدينة داخل الوطن، لا خارجه.
>
