حسام ردمان

حسام ردمان

تابعنى على

ما بعد قمة بيكين: زخم للوساطة مع بقاء الفجوة

منذ 55 دقيقة

قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الجمعة الماضية، إنه لم يتخذ قرارًا بعد بشأن المضي في حزمة أسلحة كبيرة لتايوان، تصل قيمتها إلى 14 مليار دولار، وذلك بعد أن استمع إلى مخاوف الرئيس الصيني شي جين بينغ بشأنها.

وبينما كان ترامب في طريق العودة من بكين إلى واشنطن، كان وزير الداخلية الباكستاني يتوجه إلى طهران لإقناع الإيرانيين ببعض تدابير بناء الثقة، من بينها تخفيف القيود في مضيق هرمز. وقد تزامن ذلك مع ارتفاع ملحوظ في عدد السفن التجارية العابرة من المضيق خلال الساعات الماضية.

ولعل هذا ما دفع رئيس الوزراء الباكستاني، شهباز شريف، إلى الإعراب عن تفاؤله بإمكانية عقد جولة ثانية من المفاوضات الأمريكية ـ الإيرانية في إسلام آباد.

وفي سياق متصل، أفادت وسائل إعلام إيرانية بأن مجتبى خامنئي عيّن محمد قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني، ممثلًا خاصًا في الصين، مع العلم أن قاليباف كان مكلّفًا أيضًا بعقد أول جولة تفاوض مباشرة مع الأمريكيين في إسلام آباد.

وقبل أيام، قال سفير إيران في الصين إن بكين قدمت مبادرة من أربع نقاط لوقف الحرب في الخليج.

تشير هذه المؤشرات مجتمعة إلى أن قمة ترامب ـ شي منحت الوساطة الإقليمية بين طهران وواشنطن قوة دفع إضافية، لا سيما في ما يتعلق بملف الملاحة الدولية.

ويشير تعيين قاليباف إلى أن طهران تتعامل بجدية مع العروض الصينية المطوّرة عقب القمة.

وليس مستبعدًا أن تلقي الصين ببعض ثقلها السياسي لإنهاء الحرب في الخليج، ضمن تفاهم أوسع مع واشنطن يقوم، بصورة أو بأخرى، على وقف عسكرة هرمز في مقابل تجميد أو إبطاء تسليح تايوان.

ويوم امس عبّر الرئيس التايواني صراحة عن رفضه بان تكون بلاده جزء من اي مقايضة دولية، مضيفًا أن مبيعات الأسلحة الأمريكية للجزيرة تشكل التزامًا أمنيًا يستند إلى القانون.

في هذه الحالة، ستكون الصين رابحة على مستويين: سياسيًا، لأنها انتزعت من الرئيس الأمريكي تنازلًا مهمًا بشأن تايوان، حتى وإن كان تنازلًا ظرفيًا أو رمزيًا.. وتجاريًا، ستكون الصين مستفيدة أيضًا من تامين تدفق الطاقة القادمة من الخليج.

لكن حتى إذا افترضنا أن الزعيمين توصلا في بكين إلى تفاهم تهدئة يشمل إيران وتايوان، فإن الصين ستظل أمام تحدٍّ أكثر صعوبة: تجسير الفجوة التفاوضية.

صحيح أن الطرفين الإيراني والأمريكي أنهكتهما معركة عضّ الأصابع، وأنهما يلتقيان عند حاجة متبادلة: فتح المضيق في مقابل تخفيف الحصار. غير أن كل طرف يضع ثمنًا مختلفًا للصفقة.

إيران تريد صفقة للملاحة تقابلها ضمانات دولية بإنهاء الحرب وعدم تكرارها، مع فصل ملف الملاحة عن المفاوضات النووية. أما واشنطن، فتريد صفقة سريعة بشأن الملاحة، مقرونة بجدول زمني لمفاوضات نووية تفضي إلى اتفاق إطاري يلبّي شروط ترامب، مع الاحتفاظ بورقة الحرب مستقبلًا لإجبار طهران على التفاوض تحت الضغط.

والخلاصة أن قمة ترامب ـ شي ساهمت، حتى الآن، في تجديد زخم الوساطة الإقليمية، وربما تأجيل العودة السريعة إلى الحرب، لكنها لم توفر الشروط الكافية للوصول إلى تسوية.

فمن يتأمل الاستراتيجية الأمريكية الكبرى يدرك حدود مناورة ترامب الأخيرة مع الصين؛ إذ لا تستطيع واشنطن أن تقايض تايوان بهرمز، ولا يمكن أن تسمح باختلال معادلة الردع الجيوسياسي داخل منطقة الإندوباسيفيك، التي باتت تشكل جوهر عقيدة الأمن القومي الأمريكي.

ومن المؤكد أن بكين تدرك هذا؛ لذا فإنها قد تقدم لطهران مبادرات مطوّرة لإقناعها بالتفاوض، إلا أنها لن تمارس ضغوطًا قسرية لتليين موقفها السياسي.

باختصار، ثمة فجوة حقيقية يصعب ردمها عبر قمة سياسية يرى مراقبون أن الجانب الاستعراضي طغى عليها، وأنها لم تحقق اختراقًا استراتيجيًا في علاقة البلدين.

ومثلما تحاول الصين المساهمة في تجسير الفجوة، فإن ثمة أطرافًا معطّلة تريد إذكاء الصراع مجددًا. ومن هنا يمكن فهم التحركات التصعيدية الإسرائيلية في غزة ولبنان، وكذلك تحركها السياسي لإقناع ترامب بأن خيار المواجهة لا يزال ضروريًا.

من صفحة الكاتب على الفيسبوك