فهمي الكاشف

فهمي الكاشف

اليمن.. دراما سائلة بلا شكل ولا اتجاه

الخميس 26 يوليو 2018 الساعة 06:39 م

▪ لا أحد بوسعه أن يعرف شيئاً عن التركيبة النهائية التي ستفضي إليها هذه الدراما التاريخية الممتدة في كافة أنحاء اليمن على نحو مريع يجلُّ عن الوصف أو التفسير ضمن أي إطار مفاهيمي ومعرفي تقليدي.

نحن إزاء مشهد عارم ملتهب يتميز بالاضطراب والبلبلة والجيشان والتداخل وفقدان الرؤية. الأشياء المألوفة في تحلل مستمر، والمعالم تختفي وتتآكل، والخطوط الفاصلة تتلاشى لترتفع خطوط أخرى، البنى والهياكل القائمة تتصدع وتنهار.
لحظة صاخبة من الصهر والتحريك والتفكيك والفصل والدمج والتحويل والتوليف. يجري كل ذلك دون وجود فاعل واحد أو جهة عليا تهندس وترعى وتوجه وترتب وتفرز المواد والكتل وتضعها في نظام. كل شيء يجري في الواقع بلا لائحة إرشادية موحدة بل حشد فوضوي من الرؤى والأفكار والتصورات والأهواء.
من الصعب التوصل إلى فكرة تقريبية عما يمكن أن تنتج عن هذه السيرورة من الاختلاط والتفاعل والتهجين بين العناصر والمواد المتنافرة.

▪ مهما اجتهد المرء لن يحصل على سابقة تاريخية بوسعها تسليط الضوء على ورطتنا، مصيرنا، جحيمنا.
حتى لو حاول المرء أن يتقصى في تاريخ العالم، في تاريخنا، في التجارب والوقائع الشهيرة، في الانهيارات والتصدعات الكبرى، في التاريخ وفي تمثيلات التاريخ، في الفن والملاحم والآداب.
لا يمكن العثور على نموذج كامل يشرح وضعنا ويعكس صورتنا بكل تفاصيلها المضرجة بالدماء والوحل والأصباغ النتنة وأخلاط الأزمنة المتراكبة بعضها فوق بعض، حتى لو بحثت في أحداث الحرب الأهلية الإسبانية عن مفاتيح لفهم حاضرنا، أو في حرب الثلاثين سنة، في حروب الاسكندر، في حروب ظهور واختفاء الدول اليمنية القديمة، في تاريخ الامبراطورية الرومانية، في صعود آل عثمان، في الحروب الصليبية والحرب الأهلية الأمريكية وفي الحرب اليونانية ضد الأتراك وحروب الثورة الفرنسية وحروب الثورة الروسية وحروب سيمون بوليفار في أمريكا اللاتينية وحروب محمد علي باشا في الجزيرة العربية وسواحل اليمن.

▪ ولعل عمق الصراع الجاري في اليمن يكمن في أنه يحتوي على شيء ما من كل التعريفات والتأطيرات النظرية والعناصر والخطابات المتنافسة والمتباينة أشد التباين، بدرجات وأشكال متفاوتة.

الانفعالات والأهواء -وخصوصا في أزمنة الانحطاط والتحلل- لها كلمتها الحاسمة في تظهير عنصر على بقية العناصر. نحن في لحظة تتحول فيها السياسة، أكثر فأكثر، "إلى شيء لاعقلاني تمليه الانفعالات. لم يعد الناس قادرين على تمثل الأوضاع المعقدة. تتغلب تعبئة الانفعالات بشكل كاسح على الوصف المحايد".

حسابات السياسة في صيغتها البدائية -وليس الأخلاق ولا الموضوعية ولا مبادئ الشرف الوطني- هي من تتحكم غالباً في اختيار المواقف وفي ترجيح وإبراز تعريف للصراع على حساب باقي التعريفات والعناصر المكونة له.
وأحياناً كل فرد محكوم في اختياراته باعتبارات ومطامح شخصية وربما محكوم بظروفه وحقائقه الخاصة، التي يبحث لها بعد ذلك عن إطار عام لتكييفها معه.. وفي وضع تاريخي كهذا من السهل على الجميع أن يتأوَّلوا مواقفهم أخلاقيا ووطنيا ودينيا. ومن السهل إيجاد حيثيات لتسفيه وتخوين كل المواقف.
في ظل الفوضى وتعدد المرجعيات، ما المرجعية أو المبدأ الموجِّه الذي يحتكم اليه المرء لتزكية موقف أو قرار أو اختيار سياسي؟ كيف تقرر أن هذا صائب أو جيد أو سيء أو خطير؟ ما هو أساس حكمك ومستنده؟
ما الذي يمكن للواحد أن يسترشد به لكي يختار؟ لا شيء سوى ضميره وتربيته ومفهومه للوطنية وأن يقايس ويوازن الأمور لكي يختار ثم يواصل تقويم ومراجعة اختياره وتعديله وتصويبه. قد يكون عنصر الوقت هو الذي يجعل من هذا الاختيار خاطئاً في لحظة ما ويجعل منه صائباً في لحظة أخرى. السياسة تدبير عقلاني وتعامل مع الظروف أولاً بأول. لكنها ليست متجردة تماماً من الأخلاق.