سمير الصنعاني

سمير الصنعاني

تعقيباً على (الحوثي نقيضاً للدولة والثورة والحزبية) وتساؤل عن المستقبل!!

الجمعة 14 سبتمبر 2018 الساعة 07:39 م

في مقال له بعنوان (الحوثي نقيضاً للدولة والثورة والحزبية) يلخص الصحفي والكاتب الأستاذ نبيل الصوفي، مشكلة اليمنيين مع الحوثي بعمق موجز، حيث يرى أن المشكلة مع الحوثي (لا تكمن في كونه رافضياً، أو في كونه هاشمياً، ولا لأنه يتحدث عن الولاية والشعار، وإنما في كونه يمثل عقيدة مقاتلة ضد كل المختلفين عنه وأولهم الدولة اليمنية، وفي كونه نقيضاً للدولة والثورة والحزبية).

وإزاء هذه المشكلة، يعتقد الصوفي أنه ليس ثمة من شعار وطني يمكن أن يقدم نفسه نقيضاً حقيقياً للحوثي سوى المؤتمر الشعبي العام الذي يصفه بالقول: المؤتمر الذي لا يكترث بالطائفية ولا بالمناطقية ولا بالجهوية ولا بالمذهبية... كن ما شئت، المهم أن تكون يمنياً تحت سقف دولة اليمنيين جميعاً... ليس لديه شعارات أيديولوجية، كما هو حال ثورة اليمنيين الأولى (26 سبتمبر 1962م).

وتعقيباً على هذه الرؤية العميقة والموجزة، يمكن التأكيد على أن أي تعاطٍ مع الحوثي كفكر أو كجماعة أو كمليشيا أو حتى كحركة سياسية، لا يمكن أن يستقيم إذا ما تم القفز على حقيقة كهذه، وهي التي تصر حركة الحوثي على أن تمنحها لنفسها في الحق بالتعالي على الآخرين وإرغامهم على الإيمان بفكرها ومشروعها ليس بالسياسة والإقناع، وإنما بالقوة، والسعي لتحويل وترسيخ عقيدتها القتالية، وفكرها الرافض للآخر، وثقافتها التي تلغي المختلف في أوساط المجتمع وكأنها (فريضة دينية) و(نظرية فكرية) و(بديهية مسلمة) و(حتمية واقعية) يجب الإيمان بها والخضوع لموجباتها.

لنعد بالذاكرة قليلاً إلى الوراء ولنتجاوز الحقائق ولنعتبر الطريقة التي كانت الدولة تتعامل بها مع حركة التمرد الحوثية خلال الحروب الستة ضد تمردها المسلح والتي ظلت تراعي موجبات وحقوق هذه الجماعة باعتبارهم مواطنين يمنيين وتتعاطى معهم بنهج الدولة، وتتغاضى في كل مرة عن إعادتهم الكرة للتمرد المسلح، بل إن تعاطي القيادة السياسية ممثلة بالرئيس السابق، آنذاك، علي عبدالله صالح، الإنساني مع أسرة بدر الدين الحوثي التي قادت التمرد، كان ينم عن حرص على إبقاء الباب مفتوحاً لإمكانية التصالح والتسامح مع حركة تحمل سلاحاً ضد الدولة، ومليشيا تقتل أبناء الشعب، مواطنين أو جنوداً، بمبررات واهية، لكن تلك الحركة وبفعل عقيدتها القتالية ظلت تقابل كل ذلك بمزيد من الإيغال والتمادي في مواصلة وتكرار التمرد.

عقب أزمة العام 2011م اتخذت مواقف كثيرة من قبل الدولة أو من قبل القوى السياسية تجاه جماعة الحوثي، وبغض النظر عن كون تلك المواقف كانت خاطئة ومشينة واتخذت بناءً على تصفية حسابات سياسية بين الخصوم وليس وفقاً لمصالح البلد والمجتمع مثل اعتذار الحكومة الرسمي عن حروب صعدة، ومثل التواطوء والصمت عن تمردهم المسلح وتهجيرهم لسلفيي دماج، ثم تمددهم العسكري واستيلاء مليشياتهم على معسكرات الدولة... الخ من تلك المواقف الشخصية والسياسية والرسمية، إلا أنها مثلت أيضاً رسائل كان يمكن لحركة الحوثي أن تحولها إلى وسيلة للانخراط في المجتمع، وتجاوز الماضي، وأخذ حقها كحركة سياسية وكمواطنين يمنيين ضمن المشهد السياسي، وفي إطار الشراكة في السلطة والحكم، لكن جماعة الحوثي ظلت تتعاطى مع تلك المواقف بأنها تنازلات لها الحق في الحصول عليها، وبنت عليها قراراتها في تنفيذ أجنداتها التي تحولت من مظلومية جماعة متمردة، إلى مشروع سيطرة واستيلاء على السلطة والحكم بالقوة والعنف، وتدمير مؤسسات الدولة، وفرض عقيدة وفكر وثقافة ومذهب وموقف سياسي على الشعب خارج إطار كل النظم التي جاءت بها الشرائع السماوية، أو القوانين الوضعية وفي مقدمتها العقد الاجتماعي الذي ينظم العلاقة بين الشعب اليمني ودولته وحكامه وهو الدستور، فانقلبت الحركة الحوثية على كل ذلك وشرعت في تنفيذ مشروعها المذهبي العنصري السلالي وأجنداتها المرتبطة بالصراع الإقليمي وتحويل اليمن إلى ساحة لخدمة أهداف إيران في المنطقة العربية، وكل ذلك باستخدام عقيدة الموت والقتل وتصفية المختلف معها بالإعدام قتلاً، أو بالتهجير قسراً، أو بالتفجير للمنازل عمداً، أو بالاختطاف والإخفاء ظلماً، وفوق ذلك بالتكفير لأي معارض أو خصم أو مختلف مع فكرها وثقافتها ومشروع موتها وإصدار فتوى بوجوب جهاده وقتله بوصفه داعشياً أو منافقاً.

وبعيداً عن تفنيد الأكاذيب التي روجت عن علاقة الرئيس السابق علي عبدالله صالح بالحوثيين بعد تسليمه للسلطة يمكن الإشارة إلى أن صالح حاول بعد انطلاق حرب التحالف العربي ضد مليشيات الحوثي أن يجر مليشيات الحوثي إلى مربع صياغة مشروع سياسي وطني يجابه الحرب الخارجية، ويكون بداية لتجاوز الماضي وتدشين عهد من التسامح والتصالح والتشارك في الحفاظ على مؤسسات الدولة، ونظامها الجمهوري الديمقراطي، ووحدتها الوطنية، ودستورها ونظمها وقوانينها، وبذل كل جهد لإقناع الحركة الحوثية بأن تقدم نفسها كمشروع سياسي وطني لا كأيديولوجية مذهبية وفكر عنصري سلالي وثقافة موت وعقيدة قتال ضد الآخر، لكنه فشل في ذلك، فالحركة الحوثية أصرت إلا أن تكون هي تلك الحركة المتمردة العنصرية السلالية الطائفية المذهبية التي تمجد ثقافة الموت، وتقدس تصفية الخصوم، وتملشن الدولة، وتحكم بالقوة والعنف، وتستعبد المجتمع، وتسرق موارد وأرزاق الناس، وهو الأمر الذي انتهى بأن يضحي الزعيم صالح بحياته ويقدم روحه ومعه روح رفيقه الأمين عارف الزوكا ثمناً لإعلانه الانتفاضة على مشروع الموت الحوثي، وفكره النقيض للدولة والثورة والحزبية.

وانطلاقاً من كل ما سبق، فإنه يمكن القول إن معركة الشعب اليمني مع المليشيا الحوثية ستظل قائمة ومستمرة طالما استمرت هذه المليشيا في تنفيذ عقيدتها القتالية ومشروع موتها ضد كل من يختلف معها أكان مذهبيا أو فكريا أو ثقافيا أو سياسيا أو جغرافيا، ولا يمكن بأي حال من الأحوال ومهما طال عمر سيطرة مشروع الظلام والموت الحوثي إلا أنه سينتهي إما بالقوة والمواجهة العسكرية أو بالثورة الشعبية أو بالانتصار السياسي الذي سيظل بعيد المنال ما لم يكن مدعوما بفعل عسكري طالما وأن الحوثي مليشيا لا تؤمن سوى بالقتل ولا غيره.

وعوداً على بدء فإن الأستاذ نبيل الصوفي، وكما أوجز بعمق مشكلة اليمنيين مع الحوثي فإنه طرح نظرة للمستقبل تتلخص في أن فكر المؤتمر الشعبي العام هو الشعار الوطني الوحيد القادر على مواجهة العقيدة القتالية والفكر المذهبي والعنصري لمليشيا الحوثي، وهو طرح يحظى بالكثير من المنطقية بالنظر إلى أن بقية المشاريع التي تجابه مشروع الحوثي تتضمن نفس مساوئه، فلو أخذنا، مثلاً، حزب الإصلاح ورغم كونه تنظيما سياسيا سبق وخاض غمار العمل الوطني السياسي معارضا ومشاركا في الحكم ومسيطرا على السلطة، إلا أن معركته ضد مشروع المليشيا الحوثية يقوم على مفهوم أيديولوجي أيضا يرتبط بالفكر المذهبي والرؤية الاسلاموية التي تتلاقى مع فكر الحوثية في كونهما ينشدان إقامة دولة إسلامية مع الاختلاف في أن الحوثي يريدها إمامة محصورة بالنسب، فيما يتمناها الإصلاح خلافة إسلامية محصورة بتيار الإخوان فقط.

وفضلا عن ذلك فإن الإصلاح كحركة إسلامية يكاد يتشابه في طريقة أسلوبه ونظريته السياسية والإدارية في الحكم مع الحوثية باعتبارها أيضا حركة إسلامية، ولذلك فإن صراعهما المستند على خلفيات ومرجعيات دينية وفقهية وارث من الصراع المذهبي والمسلح بين مشروعي الخلافة والإمامة أسهم في تدمير الدولة والبلد.

وللمقارنة، فالمؤتمر الشعبي العام حين كان يدير دفة القيادة في البلد تعامل مع تمرد المليشيا الحوثية بموجبات ومعطيات الدولة ومسؤولياتها، في حين أن الإصلاح وهو يسيطر على دفة الحكومة ويتقاسم السلطة مع هادي فر من المعركة وترك الدولة ومؤسساتها فريسة سهلة للحوثي ومليشياته بحجة انه لن يكون (ابوفاس) فيما كانت كل المعطيات تؤكد أنه كان بإمكانه، ومن خلال نفوذه اللامحدود في إدارة السلطة ومؤسسات الدولة منذ عام 2011م، أن يواجه تغول وتمدد مشروع المليشيا الحوثية بموجبات الدستور والقوانين وحق الدولة ومؤسساتها في إخماد التمرد المسلح، لكنه فضل أن يتعاطى مع فكر الحوثي ومشروعها بعقلية تصفية الحسابات السياسية مع خصمه المؤتمر الشعبي العام وقيادته ممثلة بالرئيس السابق للجمهورية الزعيم علي عبدالله صالح رئيس المؤتمر الشعبي العام.

مواقف بقية القوى السياسية كالاشتراكي والناصري والبعث تجاه مشروع الحوثي وفكره لا يمكن أن يكون ذا تأثير في سير معركة المواجهة الفكرية والسياسية لسبب بسيط أن هذه القوى تحولت إلى مجرد مشاريع يغلب عليها الفكر الجهوي المناطقي العاجز عن أن يكون بديلا وطنيا موثوقا ومقبولا من الشعب.

ولأن الشرعية تضم كل هذه القوى إلى جانب هادي، فإن طريقة إدارتها للسلطة والدولة سواء قبل الانقلاب الحوثي أو إثنائها أو خلال حرب التحالف ضد المليشيات، أثبت أن هذه السلطة التي يطلق عليها الشرعية عاجزة وفاشلة مشروعا وإدارة وفاسدة حتى النخاع كشخوص وكمؤسسات، بل إنها حولت مؤسسات الدولة والوظيفة العامة إلى ما يشبه (تركة إرث) يتم توزيعها بين من يتبؤون المناصب وأبنائهم وأسرهم وكأنها تركة شخصية وأسرية.

وخلافاً لكل تلك القوى، ثمة المجلس الانتقالي الجنوبي الذي وبغض النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا مع طرحه حول موضوع الانفصال واستعادة الدولة، إلا أنه يمكن القول إنه يمثل تيارا سياسيا جديدا له خصوصيته التي يمكن صهرها في إطار جغرافيا المحافظات الجنوبية وضمن مشروع وطني أشمل، بالنظر إلى ما قدمه المجلس بالتعاون مع التحالف العربي من تضحيات عسكرية لتحرير المحافظات الجنوبية من سيطرة المليشيات الحوثية، ثم إسهامه إلى جانب إخوانه من المقاومة الوطنية في معركة تحرير الساحل الغربي وبعض المحافظات الشمالية من سيطرة المليشيا الحوثية.

وتأسيساً على ما سبق يمكن التأكيد على ما طرحه الأستاذ نبيل الصوفي فيما يخص المؤتمر الشعبي العام على الأقل في المحافظات الشمالية، وإمكانية أن يكون هو الحامل الوحيد لمشروع مواجهة الفكر الحوثي باعتباره يحمل مشروعا مرتبطا بالدولة والديمقراطية والحرية والثورة والنظام الجمهوري، ويتعامل مع الناس بمدى ارتباطهم بهذه المفاهيم ومدى استعدادهم للمضي في مشروع سياسي قائم على التسامح والقبول بالآخر ورافض للعصبيات المذهبية والطائفية والمناطقية، مشروع يرفض العنف، ويؤمن بالتنافس السياسي، يقبل الجميع، ويحتوي المختلفين، ويتجاوز المشاريع الصغيرة إلى مشروع الوطن الكبير الذي يتسع لجميع أبنائه.

ختاماً لهذا التعقيب.. يمكن أن يثار سؤال للنقاش فحواه ما مدى إمكانية التقاء فكر المؤتمر الشعبي العام كشعار وطني نقيض لفكر المليشيا الحوثية في المحافظات الشمالية مع فكر المجلس الانتقالي النقيض لفكر المليشيا الحوثية في المحافظات الجنوبية في مرحلة مستقبلية لصياغة مشروع وطني يمني شامل يرتكز على بناء دولة مواطنة للجميع بغض النظر عن شكل الدولة وطريقة توزيع السلطة والثروة– تضمن وجود يمن قوي متعدد ومتنوع وموحد بدولة ترتبط بمحيطها العربي وتنخرط في الدفاع عن أمنه القومي ومجابهة مشاريع النفوذ الذي تستهدفه، وبلد يساهم بعلاقات الاحترام المتبادل مع دول العالم في حماية الأمن والسلم الدوليين؟!