د. حمود العودي

د. حمود العودي

تابعنى على

متى يقتنع (الإسلامويون) بأنّ السلطة وظيفة إدارية وليست عقيدة دينية!!

الأحد 29 سبتمبر 2019 الساعة 08:45 م

 

تحل على التجمع اليمني للإصلاح والحوثيين ذكرى تأسيس، الأولى في سبتمبر 1991م، ووهم انتصار الثاني في 21 ديسمبر 2014م، وكلٌ يغني على ليلاه، ما بين البكاء على (خليفة) مفقود في الموصل للأول! وتهليل لمهدي منتظر من كربلاء أو ولي معصوم من مران! وبين هذا وذاك تسفك الدماء وتنتهك الأعراض، وتهدم الأمصار، ويهلك الحرث والنسل لا من أجل دين الله الحق كما يدّعون أو يكذبون على الأصح! بل خدمة لدين (الشيطان الأكبر) كما يسمونه جميعاً بوعي منهم أو بدونه ومن أجل السلطة والثروة! التي لن تأتي لهم قط من هذا الطريق.

فهل آن لهذا المقت والجنون المرضي المستأصل في جسد وعقل الأمة وساستها على وجه التحديد أن يشفي نفسه بالبحث عن السلطة والثروة بطريقة أخرى؟! غير جنون "المهدي المنتظر والخليفة المعظم".

بدءاً بالتسليم المطلق -عن يقين علمي وعقلي وديني حق- بأن السلطة السياسية وظيفة إدارية متماهية في باب المعاملات من الناحية الشرعية والقانونية والعلمية، وليست قط عقيدة دينية وحقاً إلهياً أو وراثياً لأحد من دون الناس! لا لمجرد أن العقيدة هي وحدها جوهر الدين ومبدأها الاختيار لا الإكراه، ومقتضاها إيمان كل بما يعتقده "مسلماً كان أو يهودياً أو وثنياً أو غيره" دونما وصاية لأحد عليه، أو حق له في فرض عقيدته على غيره، وأن الشرائع السماوية
والوضعية، هي على العكس من ذلك، مبدأها الاتفاق بين الناس، ومقتضاها العقل فيما يجلب النفع ويدفع عنهم الضرر، بل هو جوهر وموقف وحقيقة الإسلام الحق، لا ما يفترى عليه، عملاً بقوله تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ}، وبقاعدة (حيثما حلت المنفعة فثم شرع الله) ناهيك عن أن كل شرائع الأرض والسماء عامة -والشريعة الإسلامية خاصة- هي في كل أحكامها المحدودة في القرآن الكريم -والمتوافق عليه بين الناس- عابرة لكل الأديان والمعتقدات الدينية، لأن الحُسن والقبح والعدل والظلم والضرر والنفع والخير والشر، حتى الصحة والمرض والجوع والشبع، هي مفاهيم وضعية عامة ومطلقة، لا علاقة لها بالعقائد الدينية، وكلها تدخل في باب المعاملات في المنظور الإسلامي، بما فيها مفهوم السلطة والدولة، كوظيفة إدارية عامة داخلة في صميم باب المعاملات المتوافق عليها بين الناس بعقد اجتماعي، ولا علاقة لها البتة بالعقيدة الدينية، إسلامية كانت أو غيرها، إذ لا وجود لسلطة دينية في الإسلام قط.. كما يؤكد الإمام محمد عبده، ومعه كل المنصفين من مفكري الإسلام الحق؛ كما لا يوجد رجل دين في الإسلام، بإجماع كل علماء المسلمين؛ كما لم يحدث وأن قامت سلطة دينية إسلامية مطلقة قط في التاريخ الإسلامي؛ على غرار سلطة الكنيسة الأوروبية في العصور الوسطى؛ لأن ذلك هو جوهر اللاهوت الذي ما جاء الإسلام إلا لمحاربته، باعتبار أن الدين الإسلامي كعقيدة هو بلاغ فقط لقوله تعالى {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ} و{ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} و{وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ}...الخ، وحسابه على الله لا على أحد من البشر، وأن الإسلام كشريعة هو ما يتوافق عليه الناس من المسلمين وغير المسلمين فيما بينهم من تشريعات وقوانين؛ من شأنها جلباً للمنافع ودفعاً للمضار عنهم؛ عملاً بقوله تعالى {وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ}، وأن دعاة تركيب العقيدة فوق الشريعة اليوم -أو الخلط بينهما- هي مفسدة للعقيدة والشريعة معاً، وذلك ما يفسر المحنة الضاربة أطنابها في حياة الأمة والدين على السواء..

فماذا لو انصرف (الإسلامويون) من -حزب الإصلاح والحوثيين في اليمن على سبيل المثال- وحتى امتداداتهم على المستوى العربي والإسلامي عن (شيطنة التسنن والتشيع) بحثاً عن السلطة والثروة من دون الناس؛ التي لم ولن تأتي من هذا الطريق؛ في ألفية الشبكة العنكبوتية وتكنولوجيا النانو، وترك "علي" و"معاوية" وشأنهما، والاحتفاظ من "التسنن" الحسن والقدوة الحسنة ومن "التشيع" الأصل بالمحبة والرحمة إيماناً وعقيدة كما هو المفروض، وبمعزل تام عن مفهوم الدولة والسلطة كمعاملة وعقد اجتماعي؟

ألا يكون الجميع أقرب إلى جوهر وصلاح الدين والدنيا؟!
لديّ شعور عميق يرقى إلى درجة اليقين أن "إصلاح اليمن" -على الأقل- هم الأقرب اليوم إلى هذا الموقف، خصوصاً بعد تداعي المشروع السياسي الإخواني المريع على المستوى العربي والإسلامي؛ بعد أن صار الهدف الأول للقوى الإقليمية والدولية الخارج. ناهيك عن الرفض والسخط من الداخل. رغم أنه ما يزال هو الأقوى والأكثر ثباتاً من غيره. وأضيف ناصحاً ومنبهاً من جانبي –رغم أنني من قد اكتوى بنارهم أكثر من غيري- بأن ما قد تراكم لديكم من تجارب قرن كامل من عمر حركتكم، وما يمكنكم القيام به على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي، بل والديني الحق في صالحكم وصالح الوطن والأمة؛ ما يغنيكم ألف مرة عن لعبة السلطة الخاسرة كعقيدة.

أما "شيطنة التشيع" الجديد وجنونه الضارب أطنابه على الساحة العربية والإسلامية.. فما يزال بينه وبين العقل والحكمة والموعظة مسافة ما بين قصة الثور الأحمر "الاتحاد السوفييتي" مع الأسود "الغرب" بعد أكلها للثور الأحمر والاتفاق مع الثور الأبيض والأسود "الإسلاميين" أولاً ثم الأبيض جاء الاتفاق مع الأسود ثم الأسود "الإسلاميين" عما قريب ليقول قولته بعد فوات الأوان "لقد أُكلت يوم اُكل الثور الأبيض".