الموجز

حسن العدينيحسن العديني

البنّا.. بالباراشوت إلى اليمن

مقالات

2019-10-20 22:56:01

عبر حسن البنّا فوق جسر طائر من القاهرة إلى صنعاء ليقدم خدمة للدولة التي رعته في نشأته وأطعمته في جوعه.

بدأت علاقة «الإخوان» المسلمين باليمن بالدم وتتواصل بالدم حتى هذه الساعة، ولا أظنها تنتهي بغيره يوم يطوي التاريخ صفحتهم الأخيرة.

البداية جسر طائر على الطريق بين القاهرة وصنعاء، الجزائري الفضيل الورتلاني، المرسل من حسن البنّا كي يتعاون مع عبدالله الوزير مستشار الإمام يحيى حميد الدين في تنفيذ انقلاب ضد الإمام، كان الانقلاب دموياً وفاشلاً.

من واجب القول، إن ذلك الانقلاب لم يمثل ثورة بأي معنى على ما استقر في بعض الأدبيات اليمنية ذات التحليل السطحي؛ ذلك أن مشكلة اليمنيين لم تكن مع أسرة حميد الدين في ذاتها، وإنما مع الإمامة فكرة ونهجاً وسياسة طاغية وعابثة ومنزوعة الإنسانية.

والحقيقة أنه خلال أكثر من ألف سنة منذ تولي يحيى الرسي، الملقب بالهادي، الإمامة في صعدة سنة 911 حتى رحيل آخر الأئمة محمد البدر، الملقب بالمنصور في 1962، فإن آل حميد الدين لم يظهروا في صفحة هذا التاريخ الطويل إلا في 1890 مع المنصور محمد حميد الدين، والد الإمام يحيى في بلدة اسمها القفلة في أقصى الشمال، وهناك ورثه ابنه في 1904 إلى أن دخل صنعاء سنة 1918 عندما كان الأتراك يُلملمون متاعهم بعد الهزيمة المريرة التي تلقتها الإمبراطورية العجوز في الحرب العالمية الأولى.

شهد هذا التاريخ الطويل حروباً وتصفيات دموية بين الأئمة المتنافسين والذين عجزوا عن توحيد اليمن إلا في فترة قصيرة جداً.

خلاصة التجربة في اليمن أن المناطق التي خضعت للأئمة فترات أطول سقطت في وهدة التخلف أكثر من تلك التي قامت عليها ممالك لا تنتسب إليهم.

هذه ناحية، والناحية الثانية، أن النزاع بين الأئمة أدى في بعض الأوقات إلى ظهور ممالك صغيرة في نفس الوقت، إمام في صنعاء، وثانٍ في حجة، وثالث في ذمار، وهكذا.

إذن، فإن ما حدث في فبراير لم يكن غير محاولة من عبدالله الوزير وأسرته انتزاع الملك من يحيى حميد الدين، والوزير حاول أن يظهر وجهاً بشوشاً يغري قادة «حركة الأحرار» بأنه يوافقهم على إمامة دستورية، ولا أدري كيف استطاعوا أن يصدقوا وقبل ذلك أن يتبنّوا فكرة لا تصلح من أساسها في بلد يهيمن عليه الجهل والتخلف بما يجعل إنتاج دستور تقوم عليه حكومة ومجلس نيابي يستمد قوته من الشعب أمراً مستحيلاً.

ومن حسن حظ «حركة الأحرار» التي حاول الوزير أن يركب فوق أحصنتها، أن الانقلاب فشل، فقد تبين أنه كان قد أعد قائمة بأبرز قادة الأحرار الذين سيعدمهم ساعة قدومهم إلى صنعاء من عدن.

كيف إذن، ولماذا، يقفز حسن البنّا من فكرة إيجاد موطئ قدم له في اليمن بإنشاء خلايا حزبية تتوسع وتنتشر كما يعمل أي حزب يحمل عقيدة سياسية تتجاوز حدوده الوطنية، وكما عمل هو في بلدان شتى، كيف يقفز من هذا إلى المشاركة في عملية انقلابية؟.

هل كان يتطوع بوحي من المبادئ والإحسان لإنقاذ اليمنيين من البؤس والعذاب والحرمان؟، وهل كان لديه ظن أن الطاغية المنتصر سيكون أفضل من الطاغية المهزوم؟ ثم لماذا يهتم البنّا وحركة «الإخوان» بتغيير الحكم في بلد قصي، بينما في القاهرة يتحالفون مع الملك ضد الوفد؛ حزب الأغلبية.

لماذا ذلك الغرام المبكر باليمن؟

الحق أن الإجابة لا تتيسر إلا برؤية واقع اليمن آنذاك، والجنوب على وجه التحديد، حيث كانت تربض قاعدة عسكرية بريطانية صغيرة في عدن، وكانت هناك خلافات حول بعض مناطق التخوم بين الإمام والبريطانيين، وربما كان يحيى باعتبار أنه مستقر على العرش، ويعتبر نفسه صاحب الحق، أما ابن الوزير الطامح إلى العرش فإنه يبحث عمن يؤيده.

الأمر الثاني أن يحيى كان على علاقة تعاون محدود مع إيطاليا، وأهم منه أنه يقيم علاقة مع الاتحاد السوفييتي منذ 1928.

كذلك في الحساب أن تغييرات في المنطقة قد تحدث تفاعلات وتُنشئ تحالفات تهدد النفوذ الغربي.

لهذا عبر حسن البنّا فوق جسر طائر من القاهرة إلى صنعاء، ليقدم خدمة للدولة التي رعته في نشأته وأطعمته في جوعه.

بعد هذا سينشئ حزبه خلايا سرية في اليمن بعد أن يكون قد ودّع الدنيا، وسيقبل رجالهم مع الوجه الكئيب سيد قطب، وهذه المرة لم ير اليمنيون جنود مظلات يهبطون بالباراشوت، وإنما جراثيم سامة تخترق الجسد من مسامه، وتعمل على الفتك به.

* نقلا عن صحيفة (الخليج) الإماراتية

-->