د. عبد العزيز المقالحد. عبد العزيز المقالح

رنين الأماكن

مقالات

2020-02-06 09:43:08

ليست الأماكن التي رأيناها أو نراها ذات شكل واحد أو ذات رنين متشابه، فلكل مكان لونه وصوته ورنينه الخاص، وعندما ترى بعض الأماكن تشعر أنك تسمع أعذب موسيقى، وعلى العكس من ذلك ترى بعض الأماكن التي تشعرك أنها تردد أنيناً خافتاً أو صارخاً، وأخرى لا صوت لها ولا رنين.

ولا أنسى ذات صباح وأنا أطل من نافذة الطائرة على باريس، وأحسست أن سطوحها تغني وأن شوارعها ترقص. لم يكن إحساساً داخلياً فحسب، وإنما حالة من الانجذاب تملّك كل حواسي. 

لقد زرت كثيراً من العواصم الأوروبية والعربية، ووجدت أن بعضها مسمطٌ لا يوحى بأي إحساس أو لحن، وليس ذلك انعكاساً لحالة الإعجاب التي امتلكتني ساعة الاقتراب من باريس، وإنما هو إحساس داخلي يمتلكنا جميعاً ونحن ننظر لأول مرة نحو مدينة أو حتى قرية.

وفي أقطارنا العربية عدد من المدن التي تراها وتحملك معها على مجموعة ألحان وأغان راقصة، كما هو الحال مع مدينة الجزائر، تلك التي تشعرك وأنت تراها من الفضاء، أو تدخل إليها من البر، كأن أجمل موسيقى على وجه الأرض ترافقك، وتكاد تشعر مع هذه المدينة العربية أنك تسمع التاريخ يتحدث، وأصوات الشهداء تغني للمجد والخلود. لقد استطاعت هذه المدينة –كما نعلم جميعاً- أن تستعيد تاريخها ولغتها وأن تقاوم كل محاولات التغريب والفرنسة.

وهي الآن، بحمد الله، تتكلم العربية أفضل كثيراً من عدد من مدننا المغربية أو المشرقية، وهي نموذج عظيم للمدن التي ناضلت وانتزعت وجودها القومي من براثن القوى المهيمنة.

وقد أسعدني أن أزور الجزائر في عام 1961م وهو عام استقلالها، وأن أزورها بعد خمس سنوات لأجد المواطن الذي كان يتردد في نطق الكلمات العربية قد أصبح ينطقها بطلاقة مثيرة للإعجاب، وهو مالم يكن في الحسبان، لكن الشعوب إذا أرادت حققت بقوة إرادتها ما تريد.

وما يلفت الانتباه أن حالة من التحدي ترافق الشعوب وهي تستعيد وجودها القومي واللغوي وتدفعها إلى تجاوز ما تعانيه بأقل وقت من الزمن. وسيبقى وضع الجزائر في هذا المجال مثار كتابات ومناقشات تطول لما تمثله من نجاح التحدي والتغلب على حالة الاغتراب.

ولنا، ونحن نتحدث عن انتصار الجزائر بهذا المجال، أن نلوم بعض أقطارنا المشرقية منها بالذات على إهمالها للغة العربية واعتقادها الخاطئ بأنها، حين لم تتعرض للاستعمار ومؤامراته، في أمان من التحدي اللغوي، وهو تصور خاطئ لا يقوم على أي دليل كما تثبت لنا الأيام وما تتعرض له هذه المدن من ضعف وعبث لغوي.


*من صفحة الكاتب على الفيسبوك

-->