مروان الجوبعيمروان الجوبعي

"كورونا" سيغير ملامح العالم

مقالات

2020-03-26 10:45:31

عندما كانت قريتنا -بالنسبة لي- هي محور الكون.. حينها إذا ما مرت طائرة ركاب من فوقها كانت لدي رغبة بأن أشاهد الطائرة تسقط، حتى ولو على رؤوس أهلي القرية، لأستمتع بمشاهدتها وهي تتحول إلى ركام..


ظلت ترافقني هذه الرغبة الطفولية لفترة طويلة ولم أفكر بالركاب أو الأهالي الذين سيصبحون ضحايا!


هي رغبة مرعبة لكنها حقيقة كانت موجودة وأتعايش معها يوميا.


ذات يوم، بداية حرب عام 94، مرت طائرة حربية بعلو منخفض وألقت بقنابلها في الوادي الذي يقع خلف القرية، رغم الخوف الذي اعتراني شعرت بنشوة وهرعت مهرولا باتجاه الانفجارات ظنا مني أن الطائرة قد سقطت أو أسقطت حمولتها وغيرت ملامح القرية التي اعتدت عليها. 


 ذهبت ووجدت الناس هناك يتحدثون أن الطائرة اسقطت حمولتها بمكان بعيد عن القرية ولم يحدث أي شيء، لم تسقط الطائرة ولم تتغير ملامح القرية.. 


حينها سرعان ما تلاشت تلك النشوة التي اعترتني فجأة وعاد الملل مرة أخرى ليخيم في، لأعود إلى ما كنت عليه من قبل!


بقيت أنتظر أي تغيير يكسر الروتين اليومي للحياة التي سئمت منها مبكرا.


لم أكن أهتم بكيفية هذا التغيير ليكن عبارة عن أطباق فضائية تنزل على كوكبنا أو حتى زلزال يغير ملامح الأرض التي أقف عليها، حتى وإن ماتت نصف البشرية، الأهم أن أدرك هذه اللحظة وأعيشها واقعا لأكون بعدها ضحية لهذه الكارثة لا يهم ذلك.


كانت هذه الرغبة الخفية تصاحبني دائما إلى درجة أني أنام كل ليلة وهناك رغبة تدغدغ أعماقي بأن أنهض صباحا وقد سحقت منازل القرية وتحولت إلى ركام أو أن أنهض وقد ابتلعت الأرض كل القرى المجاورة لنبقى لوحدنا أنا وأهالي قريتنا نراقب المشهد من الأعلى، أو أن تسقط السماء على رؤوسنا، أو أن تهتز هذه الأرض التي نقف عليها فنهوي منها إلى الهاوية كما تهوي الحشرات عندما يهز الحمار رأسه ليطردها منه!


لم أكن أهتم بالتفاصيل والسيناريوهات، كل ما كان يدور في بالي هو أن يحدث شيء يغير ملامح عالمي ويكسر ذلك الروتين اليومي للحياة.


كسرت قوقعتي الصغيرة، تلك القرية النائية بأطراف الريف، وخرجت إلى عالم أوسع فاستوعبت حقائق جديدة. 


عالم المدينة الذي لطالما أدهشتني عبقريته وابتكاراته وحضارته وأنظمته الدقيقة، التي لم أكن قد اعتدتها من قبل. 


ولكن بعد أن استوعبت الصدمة الحضارية وبدأت أنظر إلى الجوانب المظلمة لهذا العالم، الجوانب التي يخفيها هذا الزيف، حينها سرعان ما تبخرت تلك الدهشة وأصبح كل شيء اعتياديا ومملا، فعادت تلك الرغبة تطل برأسها من جديد، لأعود مرة أخرى إلى انتظار حدث ما يغير ملامح هذا العالم ويكسر روتينه الممل.. 


حدث يشعر المقاتلين بالرعب فيجبرهم على العودة إلى منازلهم، حدث يخرس أصوات المدافع، تلك المدافع التي عجز العالم بأسره عن إيقافها.. حدث يعطب تلك الترسانات النووية التي تلوح بها الدول العظمى ويقلب موازين القوى رأساً على عقب.. حدث يكسر خرافة قدسية الأماكن المحصنة بطيور أبابيل ويزلزل كل القواعد والاعتقادات السابقة لتأتي على أنقاضها قواعد أخرى جديدة لتضبط إيقاع الحياة اليومية.


حتى وإن كان ذلك الحدث زلزالا مدمرا يعيد ضبط المصنع لهذا العالم المعجون بالغرور والزيف.


وها هي اليوم تدغدغ أعماقي نشوة صغيرة بأن هناك شيئا ما يحدث.. بأن هناك حدثا جاء ليغير ملامح هذا العالم الذي سئمت منه.


رغم هول الكارثة التي تدور إلا أنني هادئ جدا وكأن الأمر لا يعنيني!


* من صفحة الكاتب على الفيسبوك

-->