د. صادق القاضيد. صادق القاضي

المدح مفتاح اليمن!

مقالات

2020-06-25 09:55:03

لسبب وجيه افترض كلٌ من "حسن البنا" و"أسامة بن لادن" أن اليمن هي البيئة المثالية لاستزراع تصوره الخاص للإسلام السياسي، وبالتالي البلد الأنسب لإقامة نموذجه الخاص للدولة الإسلامية.
حسب تعبيرهما: اليمن بلد الإيمان والحكمة، والشعب اليمني شعب متدين أصيل محافظ نقي بريء طيب.. لم تفسده الحضارة الغربية والمدنية الحديثة.. وما زال كما كان تقريباً يعيش على الفطرة الإلهية السليمة.

معظم اليمنيين يتعاملون مع هذه الصفات وغيرها مثل"أرق قلوباً وألين أفئدة" باعتبارها من باب المديح، ويطربون بسماعها حد الثمل، ونسيان أنفسهم وتاريخهم وواقعهم الطافح بكل الأشكال والإشكاليات النقيضة.

بينما هي في الواقع تنطوي على الذم، وتعني أن اليمن بلد بدائي متخلف يعيش في عزلة حضارية عن العالم.. لم تتسرب إليه رياح التغيير والتنوير، وقيم المدنية والحداثة والمعاصرة.

وبشكل أدق: أن الشعب اليمني شعب تقليدي عاطفي جاهل ساذج، وربما غبي ومغفل.. ومن السهل خداعه واستغلال تدينه الأعمى واستقطابه بالشعارات الدينية إلى المشاريع الكهنوتية.

على هذا الأساس أوصى كلٌ من حسن البنا وأسامة بن لادن أتباعه وأرسل أياديه إلى اليمن للبدء بالعمل على مشروعه الخاص. بافتراض أن الشعب اليمني مادة خام يمكن لأيًّ مغامر إعادة تشكيله وتوظيفه لأي غرض، دون خوف من الفشل أو الرفض.

ما حدث لاحقاً.. هو أن كلاً من جماعة الإخوان ومنظمة القاعدة قوبلت في اليمن بالكثير من الرفض، وفشلت -حتى الآن على الأقل- في إقامة مشروعها الكامل في هذه المنطقة من العالم.

قد يعني هذا أن تصوّر الرجلين لليمن وللشعب اليمني كان خاطئاً تماماً. فقد راهنا على أن هذا الشعب أقل ذكاءً من غيره، وأكثر قابلية للانقياد والاستغلال والتغرير. وأن هذا البلد أقل مناعة تجاه الغزو والاستلاب من الدول الإسلامية الأخرى.

لكن الحقيقة أن كلا الجماعتين. خاصةً جماعة الإخوان، نجحت في اختراق اليمن والمجتمع اليمني، والحصول لنفسها على موطئ قدم متزايد، لدرجة المشاركة في السلطة والدولة والنظام.!

بمعنى أن تصوّر الرجلين لا يخلو من الصحة، وهو كذلك. اليمنيون في الأغلب طيبون لدرجة السذاجة التي جعلتهم مراراً عرضة للاختراق والاستلاب من قبل الدعوات والأيديولوجيات الشمولية الدخيلة.

بسقوط الدولة الحميرية، سقطت الدولة اليمنية، وبحادثة سقيفة بني ساعدة تم تهميش وتفتيت الكيان اليمني، ومن حينه واليمنيون محرومون دنيوياً، ومهمشون قومياً وبحاجة إلى التميز السهل والتعويض النفسي ولو بالمبالغة أو الاختلاق والوهم والخيال..

هذا ما جعل الشخصية اليمنية ضعيفة أمام المدح والإطراء والثناء. خاصةً المدح الديني والقومي. ما يمكن معه القول إن المدح هو مفتاح هذه الشخصية المعقدة.

عقدة النقص هذه هي المرجل الذي نضجت فيه الأساطير التاريخية اليمنية التي نجدها في مخطوطات وهب بن منبه كما في المجموعات الرقمية للأقيال والعباهلة.

كما أنها هي الثغرة التي تسللت منها مختلف جماعات الإسلام السياسي إلى اليمن. بداية بالأئمة الزيديين، وصولاً إلى طموحات ومشاريع الإخوان والحوثيين والقاعدة وداعش.

جميع هذه الدعوات الدينية الوافدة تشترك في بروباجاندا إعلامية سياسية واحدة هي التذرع بالشعار الديني والأحاديث النبوية في مدح أهل اليمن.

نعرف أن معظم اليمنيين ارتدوا عن الإسلام بمجرد سماعهم بموت الرسول (ص)، وأن معظم قراراتهم التاريخية وواقعهم الراهن يخلو من أي قدر من الحكمة.!

يؤكد هذا أن الأحاديث النبوية في مدح اليمن وفضائل أهل اليمن إن لم تكن موضوعة، فقد كانت مخصصة فقط ببعض أفراد الجيل الأول، ولا يصح تعميمها على كل اليمنيين حينها، ولا على كل الأجيال اليمنية إلى اليوم.

هذا التعميم مغرض ولا يخلو من بُعد سياسي، فإذا كان بعض اليمنيين الأوائل استخدموه للحصول على مكاسب سياسية حينها، على حساب خصومهم، فخصومهم يستخدمونه اليوم للحصول على مكاسب سياسية على حسابهم.

-->