أمين اليافعيأمين اليافعي

عن التاريخ وكتابته

مقالات

2021-01-04 20:50:42

عندما شاهدتُ الإيراني حسن إيرلو وهو يُدشّن –بشكلٍ رسميٍّ– صنعاء كعاصمة خمينية، أو حديقة خلفية لإيران، لو استخدمنا لغة القاموس السياسي اليمني المعاصر، على الفور تبادرت إلى ذهني خواطر أو تساؤلات غريبة، مفادها: ما الذي سيكتبه المؤرخون ومدونو التاريخ بعد ألف سنة أو يزيد عن هذه الحقبة العويصة بكل ما للكلمة من معنى ودلالات؟ وما الذي سوف يُدرَّس حينها للطلبة في المدارس والجامعات؟ وما الذي سيُقال في مؤسسات إنتاج الثقافة؟ 

ولا أخفيكم حقيقة مشاعري التي انتابها قلق كبير، ماذا لو أن المهزلة تُعيد نفسها كتاريخ مرة أخرى، وسيُكتب عن حسن إيرلو وعبد الملك الحوثي بنفس الطريقة والكيفية التي يُكتب بها عن باذان وسيف بن ذي يزن، ويتم تلقينها للطلبة في كل المدارس؟!

اليوم شاءت الأقدار أن يتوفى الدكتور سيد مصطفى سالم، أبو التاريخ اليمني المعاصر، دون منازع، بعد أسبوع من الاستيلاء على بيته في صنعاء ومنحه لواحد من حلفاء إيران، كما ألمحت بعض المصادر، الأمر الذي أدخله في موجة اكتئاب وحزن عميقين حتى وافاه الأجل.

قيل كثير عن التاريخ وكتابته، والفكرة الأشهر هي أن التاريخ يكتبه المنتصر، وبعبارة أدق يكتبه مؤرخو المنتصر، وبطبيعة الحال لا يتعارض ذلك مع زعم كولينجوود القائل بأن التاريخ ما هو إلا صناعة المؤرخ، أي لا تاريخ بدون مؤرخ، أو كما تذهب المدرسة الوضعانية بأنه لا تاريخ بدون وثيقة.

فالحقيقة التي لا مفر منها في التاريخ البشري، هي أن المنتصر يستفرد بكل أدوات القوة، السياسية والمعرفية والثقافية، وسلطة إنتاج الخطاب وتوزيعه وتلقينه وحراسة شروط قبوله وسياق تلقيه، ومنها إنتاج المؤرخين والمنظرين، وإنتاج المعارف التي تُساعد في تأويل الوثيقة وفق وجهة النظر المنشودة أو تقويضها إذا تطلب الأمر.

ومنذ القدم، سيواجه كل من يتصدى لدراسة التاريخ أو نقده لتساؤل أفلاطون عن: "هل كتابة التاريخ علاجٌ أم سمٌ، داءٌ أم دواء؟". 

وعلى هذا المنوال سيأتي بعد أكثر من 2000 سنة مؤرخ بحجم ويل ديورانت ليواصل البحث عن معنى للتاريخ، ومنهجية كتابته في كتابه الذي له دلالة عميقة في هذا الصدد (دروس التاريخ)، فيُقوم بتوسيع هذا التساؤل على أكثر من صعيد واتجاه: هل يمكن أن يكون التاريخ فاقد المعنى، في نهاية الأمر؟ هل نعرف ماهية الماضي حق المعرفة أم أن التاريخ مجرد خرافة له أكثر من وجه؟ هل التاريخ ما هو إلا ظن وتخمين والباقي تحامل وهوى، يكتبه مؤرخون متحيزون، بالفطرة، وتستبد به المعرفة الناقصة وعدم الدقة؟ وهل أن التاريخ لا يُعلمنا شيئا؛ فالماضي تجربة مملة للأخطاء التي كُتِب على المستقبل أن يرتكبها بحجم أكبر وعلى نطاق أوسع؟

قد أبدو مفرطاً في التشاؤم من خلال هذه المشاعر المضطربة بالقلق وضياع المعنى، غير إن الطريقة التي جرت وتجري بها تصفية وجود وإرث الدكتور سيد مصطفى سالم أحد أهم من حرس تاريخ جمهوريتها، ثم قراءة ذلك في سياقه العام، سيؤدي حتما إلى أفكار وخواطر متشائمة، ولا ضير وقد غدا التشاؤم سيد الموقف أن يعود المرء إلى نيتشه، فيفزع لفزعه عن فقدان المعنى: كيف سيبقى للحقيقة وجهاً مؤنساً طالما قُدِّر لثقافة تاريخية أن تنتصر، على الدوام!!

لروح الدكتور سيد سالم السلام والسكينة، ولأهلة وذويه صادق العزاء.

* من صفحة الكاتب على الفيسبوك

-->