محمد ناجي أحمدمحمد ناجي أحمد

التسليم والولاء في نهج الإسلام السياسي 2-2

مقالات

2021-01-21 10:55:12

موقف مرشد الإخوان "حسن البنا" من العلاقة بين العمال وأرباب العمل:

في موقفه مما يتعرض له العمال من ظلم من أرباب العمل فقد كان التوسط وحل الخلاف ودّياً بما يرضي أرباب العمل ولو كان العامل عضواً في جماعة الإخوان.

حدث أن استغنت شركة قناة السويس عن عامل لديها دون مبرر فكان الحل هو تبديله بأخ آخر من الجماعة في الاسماعيلية.

وهذا الموقف يذكرني بما تعرض له عدد من العمال في شركات هايل سعيد أنعم، ففي ظل أجواء 2010 وانتفاضة 11فبراير 2011م طالب بعض العمال بتأسيس نقابة لهم تحمي حقوقهم في مصانع هايل سعيد، ويبدو أن العمال المنتمين للتجمع اليمني للإصلاح في تعز لم يلتزموا بنصيحة فرع التجمع بتعز بعدم السير في هذا الطريق من المطالب، فكانت النتيجة أن اتخذت شركات هايل عددا من العقوبات بحق أولئك العمال، فبعضهم تم نقله إلى محافظات بعيدة عن أسرهم كحضرموت وبعضهم ممن لا ينتمون لتجمع الإصلاح تم فصله.

تأتي التبرعات والزكوات والاشتراكات وسهم الدعوة الذي يصل إلى خُمس وعُشر ما يملك العضو من دخله في مقدمة المهام التي لا تتهاون الجماعة فيها، فيتم تخفيض المستوى التنظيمي للعضو وفصله إذا تكرر منه عدم الالتزام بواجباته المالية تجاه الجماعة. بل إن دفع الزكاة للجماعة يأتي من ضمن "المنجيات العشر" التي حددها المرشد العام "تنظيم الزكاة".

ومن "الموبقات العشر" التي ذكرها حسن البنا يأتي الخلاف السياسي والتعدد الحزبي في مقدمة تلك الموبقات. فكما أن من "المنجبات العشر" لديه "حضور جلستنا وإجابة دعوتنا وسماع وصيتنا لكتمان سريرتنا" فإن "القضاء على الحزبية وتوجيه قوى الأمة السياسية في وجهة واحدة وصف واحد" يأتي كأول مطلب من "المطالب الخمسين" التي وجهها المرشد العام حسن البنا في خطاب إلى "حضرات أصحاب الجلالة والسمو ملوك الإسلام وأمرائه وحضرات رجال الحكومات الإسلامية الفخام وأعضاء الهيئات التشريعية والجماعات الإسلامية وأهل الرأي والغيرة في العالم الإسلامي".

وفي هذه المطالب التي نشرت باسم "المطالب الخمسون" توضح جماعة الإخوان المسلمين رؤيتها العامة تجاه الحريات الشخصية والمجتمع والأحزاب الخ، فقد حددت تلك المطالب موقف الجماعة الداعي إلى القضاء على الحزبية والاختلاف السياسي، ودعا إلى مراقبة سلوك الموظفين الشخصي، وعدم الفصل بين الناحية الشخصية والناحية العملية، ومقاومة التبرج، وإعادة النظر في مناهج البنات ووجوب التفريق بينها وبين مناهج الصبيان في كثير من مراحل التعليم، ومنع الاختلاط بين الطلبة والطالبات، واعتبار الخلوة بين أي رجل بامرأة جريمة يؤاخذان عليها. وتشجيع الزواج والنسل، وتحريم الرقص، ومراقبة دور التمثيل وأفلام السينما والأغاني، ومصادرة الروايات المثيرة والصحف التي دعو إلى الفجور، وتحديد مواعيد افتتاح وغلق المقاهي العامة ومراقبة من يشتغل بها وروادها، واعتبار الحسبة، الخ.ص280-285-مذكرات الدعوة والداعية.

لهذا لا عجب أن تتوافق دعوات وخطب وخطاب النائب الإخواني عبد الله أحمد علي العديني مع ممارسات سلطة الحوثيين في المحافظات التي تقع تحت سيطرتهم. فالنظام الجمهوري انحراف عن نظام الدولة الإسلامية، وتواجد الرجال والنساء في الفضاء العام اختلاط وموبقات ومنكر ينبغي إزالته، سواء في الجامعات والمدارس والمقاهي وأماكن التسوق، وإعادة النظر في المقررات التعليمية، وتشريع قوانين تتعلق بتغليظ أحكام الردة والكفر الخ. 

إنها "المطالب الخمسون" البرنامج الفكري والحركي لجميع تنويعات الإسلام السياسي.

فكرة الاصطفاء داخل البنية العقيدية والتنظيمية لحركات الإسلام السياسي هي الأساس والمنطلق ومحددات ومعالم الطريق والمسيرة. فكل حركة إسلامية ترى نفسها التجسيد الحي للمسيرة القرآنية، وأنها الوريث للنبوة.

يقول حسن البنا من كلمة وجهها للإخوان "فأحب أن اقول لكم هنا بكل وضوح: إن دعوتكم هذه أسمى دعوة عرفتها الإنسانية، وإنكم ورثة رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) وخلفاؤه على قرآن ربه وأمناؤه على شريعته وعصابته التي وقفت كل شيء على الإسلام في وقت تصرفت فيه الأهواء والشهوات، وضعفت عن هذا العبء الكواهل."ص289- الدعوة والداعية.

في كتابه "الحركات الإسلامية –ثغرات في الطريق" يوجه الدكتور "عبد الله النفيسي" العديد من الملاحظات النقدية بغرض تجديد حركة الإخوان المسلمين وجعلها مواكبة للعصر. وقد نُشرت حلقات الكتاب في النصف الثاني من ثمانينيات القرن العشرين في جريدة "القبس الكويتية" ثم ضمها في كتاب صادر عن مكتبة آفاق 2012م.

والكتاب يتكامل في الهدف كما يتناص ويتعالق مع عنوان "معالم في الطريق" لـ"سيد قطب" وإن اختلف مع بعض اجتهاداته الفرعية إلاَّ أنه في الهدف المركزي "التمكين" يتكامل معه.

احتذاء مع العنوان وتحريك للأهداف نحو الغايات.

يحدد الكاتب بعض الثغرات منها: نمو التيار الإسلامي بشكل ورمي، ويعيش مشاكل كثيرة تتعلق بالمفاهيم والتنظيم والاتصال والتعاون البيني والمعرفة والجمهور المخاطب والموارد البشرية والمنافسة.

وأنه أي "التنظيم الإسلامي" يقوم أساسا على السيطرة وليس المشاورة، وتربية الأعضاء تربية حزبية وليس تربية اجتماعية، أي مخرجاته حزبية مبنية على ثنائية المقدس الحزب والمدنس المجتمع.

ينادي "التنظيم الإسلامي" بالحريات السياسية في المجتمع ويحاربها داخل التنظيم . غياب المؤسسات العدلية داخل التنظيم الإسلامي مع أنه يؤكد على أهمية وجودها على صعيد الدولة. يدخل في حروب وكالة لمحاربة فصيل سياسي شعبي آخر لصالح الأنظمة، تحَكُّم "نجوم المال" وتقريرهم لخيارات التنظيم السياسية.

استنفاذ الحركة طاقتها في التصدي للآني من المشاكل أكثر من التخطيط للمستقبل.

ويشير الدكتور "عبد الله النفيسي" في كتابه هذا إلى بعض التصورات الخاطئة التي تحكم مسار الحركة الإسلامية، من ذلك تصورهم بأن "العالم يعيش في حالة (فراغ) فكري وروحي وقيمي وحضاري. وأن الحركة الإسلامية جاءت لتملأ هذا الفراغ. كذلك تنتشر بين الإسلاميين مقولة مؤداها أن العالم يعيش في حالة من الفوضى الفكرية والثقافية وأن الحركة الإسلامية مناط بها تصحيح هذه الفوضى ووضع الأمور في نصابها الصحيح" ص10-الحركة الإسلامية –ثغرات في الطريق.

يسأل الدكتور "عبد الله النفيسي" في كتابه هذا :ما هي نظرية الحركة الإسلامية وتصورها للخروج من دائرة التبعية، وهو ما يشكل الحلقة المفقودة في التصور الاستراتيجي للحركة؛ أي غياب (النظرية المتكاملة) في السياسة الدولية والحراك الاجتماعي وتوزيع الثروة.

لقد تحول الإسلامي الحزبي بحسب رؤية النفيسي إلى حزبي أولا إسلامي ثانيا، مما يجعله اتجاها عقليا في التفكير ، يصبح فيه ما هو خارج الحزب مدنسا وما هو حزبي مقدسا. وكذلك التداخل بين الدين و"التنظيم" أي بين الرباني والجهد البشري. ومن الثغرات تأدية الواجبات دون المطالبة بالحقوق داخل التنظيم.

يكتب النفيسي ملاحظاته عن "كثب لا عن كتب" كما يقول "حول موقف قيادات الحركة وحدته إزاء ظاهرات النقد الذاتي والحوار، إذا ان معظم الهيئات القيادية في الحركة تنظر لهذه الظاهرات على أنها (فتن ومن تلبيس إبليس وصورة من صور الغرور المنافية لتواضع المؤمن) ولقد التقيت منذ 1962 حتى الآن بمئات من الاختصاصيين الإسلاميين الذين لم تتحمل الحركة رغبتهم وشهيتهم للحوار والنقد الذاتي فضيقت عليهم الخناق حتى (طفشوا) من ذلك وكان مصيرهم الهدر والخروج من حظيرة الحركة حيث تلقفتهم المؤسسات والأحزاب والحكومات واستفادت من خبراتهم أيما استفادة، وتجلت مهاراتهم فقط عندما خرجوا "من الصف" والعسكرة التي مورست ضدهم وهم فيه" ص15-16-ثغرات في الطريق.

في التنظيمات الإسلامية تسيطر ثقافة التلقين لا ثقافة التفكير والحوار والتفكير والاختلاف، فالاختلاف مكروه بل ومأثوم، فهو من الموبقات التي نبه إلى اجتنابها المرشد العام حسن البنا كما بينا سابقا. 

تراجع الوعي الأيديولوجي في أوساط (الإسلاميين) وتصاعدت الروح الحزبية بينهم كما يرى النفيسي في كتابه هذا. بل نجد أن الحرب ضد الأيديولوجيات تصب لصالح الروح الحزبية وتقديسها!

يقول الدكتور "عبد الله النفيسي" في كتابه هذا "الحركة الإسلامية-ثغرات في الطريق":

"وأزعم أن الأمر بات لا يخلو من عمى الألوان، ودخل في السنوات الأخيرة (البعد الطائفي) في الموضوع، فعقّد المعضلة وفرعها، وصار انتقاد (بني أمية) من الأمور التي تندرج- في معيارية الحركة الإسلامية الموجودة في الوطن العربي- تحت بند (الخطر الطائفي) لا بل- وكردة فعل غير مدروسة على الإطلاق- شرعت بعض الأقلام الأكاديمية المنتمية للحركة الإسلامية لإعادة تفسير سقوط الدولة العثمانية وتوغلت في الدفاع عن سلاطينها وتبرع (كفاعل خير) المسلمون المعاصرون في طباعة وترويج (مذكرات السلطان عبد الحميد) وتم تناسي كل سوءات العثمانيين ودمويّتهم وظلمهم وضيق أفق إدارتهم السياسية واستهتارهم بالدساتير والحريات العامة والحقوق العامة ثم تناسى كل ذلك خلال الشوق لرد الاعتبار للأمة الإسلامية على أساس أن العثمانيين كانوا محط الخلافة إلى 1924."ص75.

*من صفحة الكاتب على الفيسبوك

-->