أشرف عبدالله

أشرف عبدالله

تابعنى على

وجع أم بائع الفل.. أنموذج من مآسي المعتقلين في سجون الحوثي

منذ 43 يوم و 7 ساعة و 45 دقيقة

مَن لوجع الناس ولحشرجة أم جاءت من أقصى لحج للتفتيش عن ابنها أمام مطار عدن، عن بائع الفل الذي خطفه الحوثيون وهو في طريقه إلى صنعاء، وظنت أن يكون ضمن صفقة الأسرى والمختطفين التي تمت آخر العام المنصرم.

تذكرتها وأنا أتابع بكاء الصحفيين وقبلهم نحيب الأحزاب والأطراف والقوى والمنظمات وحتى النقابات والجامعات وغيرها من كيانات ترتكب خطأ فادحا، وهي تختزل مأسأة شعب بأكمله في معتقل أو مخفي قسرا.. الجريمة التي لو لم يرتكب الحوثيون غيرها لكفتنا لتفجير معركة التحرير.

اتركوا هذا الخطاب الهزيل الذي يتوسل من عدو إطلاق سراح أبرياء لم يقترفوا من ذنب سواء أنهم يمنيون، وتموضعوا كمحاربين مخلصين هدفهم الانتصار الكبير، ولتكن كل قصة وجع لمختطف ومعتقل في سجون الحوثيين هي وقود التحرك نحو الخلاص الأخير.

اليوم كل جسد يمني يحتفظ بوجع الدنيا من لعنة أذناب قم وخرسان، ووحده المترس كفيل بقلب هذا الظلم إلى فرحة تدفن كل الأوجاع وتتخطى حدود البلد، فقط بربكم لا تحاكوا لعنة من أفسد الدين والحرب ممن ركبوا أوجاع الناس وخذلوا الأرض وآلاف المغيبين قسرا وغدوا يقتاتون من ضجيج إعلامي مخز ودون خجل تحت سماء الله وفي زمن الفضاء المفتوح.

لم أتمكن من سماع كل قصة الأم المسكينة التي صادفتها أمام مطار عدن، تدخل من حولها وأوقف حديثها، لكن عيونها المغرورقة بالدموع لا زالت ماثلة أمامي وكأني الخاطف أو من فاوض الحوثيين وتمخض بعد عشرات الجولات "فأرا" أو شيطانا بلسنيا أعقد سرا صفقات خروج ابني وأخي وطز بنحيب الأم وقهر الآباء.

ظلت ترقب كل خارج من بوابة المطار وتقرأ وجوه المحررين وتطلب رؤية مزيد الصور فصبر قلبها ينضب، وهي لا تدري أن بين المحررين جنديين شقيقين من مديرية القفر أكبرهم وصل على العكاز برجل قصير.

كان قد أصيب في جاح الحديدة وشقيقه الأصغر حاول إنقاذه إلا أنه سقط بجواره ووقع الاثنان أسرى، وبعد أعوام من رحلة فراق بين المستشفيات والسجون وجد الشقيقان أرواحهما المثخنة في السماء على طائرة أممية تعبر فوق نار الحوثي وإيران من صنعاء إلى عدن.

كان الأصغر بإصابة أقل ضررا وبدى حيويا مبتهجا بوصوله عدن، فيما الأكبر أكثر وجعا ولا يقوى على المشي لولا مساندة آخر له حتى صالة المطار، هناك انتشل إعاقته نحو أقرب مقعد وجلس يتنفس أرض الله: "الحمدلله". 

حدثني وهو مقعد أن عناصر حوثية تدربوا على إجراء عديد من العمليات الفاشلة على قدمه حتى أصيب بالإعاقة. 

في الصالة أيضا، مهندس معماري من شمير اعتقل من الحديدة وعذبه الحوثيون في بدروم مظلم لأحد الفنادق، ووسط الحر أجبروه على نقل كومة أحجار من مكان إلى آخر وعند كل إغماء واختناق روحه يناهلون عليه ضربا حتى هد العذاب جسده.

سألته: أحجار.. أحجار كم ظللت كذا.. رد: كثيرا كان يكفينا أبني بها عمارة.

آخر هو عبدالله كولي، مسن وكان مدير مكتب السياحة بالحديدة، كنت أعرف قصة اعتقاله، لكنني لا أعرف شيئا عن المحاكمات الصورية في محاكم التفتيش بصنعاء وعن تعذيبه بحمل البلك وسقوطه وارتطام رأسه أرضا.. وضع أصبعه على جبينه وأخبرني: هذه بقايا الجراح.

محرر آخر، قال إن الحوثيين لا زالوا يحتجزون رأس ماله وسيارته وهي كل ضماره وأسرته. وتوسلني أن لا أنشر قصته وقد يعود يطالب بحقه.. أخبرته لا تعد لن ينساك الله.. ثق وقد منحك فرصة للخروج والنجاة.. سيعوضك ضعف ضعف ما أخذ منك بقوة السلاح.

كان الوقت يمضي وعندما هممت بالخروج، رأيت أحدهم مرتبكا وفي حالة تيه وضياع بين الجموع، كانت هي المرة الأولى التي يصل فيها عدن وهذا كل همه.

قال: ممكن اتصل من هاتفك.

أنا: تفضل

هو: يخرج من جيب ثوبه الأبيض قطعة صغيرة من كرتون ملفوفة بإحكام ببقايا كيس شفاف..أدخل أول رقم.. الثاني.. يرن الهاتف: أماه أنا وصلت عدن.. ثم أخذ يستفسر عن ذويه في المطار.. يكمل المكالمة.. شكراً.

أنا: العفو أنت أسير حرب أو مختطف؟

هو: يصمت برهة لا أنا شلونا من الحدود بصعدة، وقاطعنا رنين الهاتف على اتصال أمه مجددا منحته يكمل حديثه.. وانشغلت لسماع وجع آخر.

داهمتنا ساعتنا ولا زال كل واحد لديه عذاب مختلف ومثلهم الآلاف لا زالوا في سجون تتفنن ألعن سلالة موت في التاريخ في العبث بحياتهم. بينهم بائع الفل لأم جمعت خيبات كل الدنيا وعادت إلى منزلها بقلب يموت كمدا.. والله وحده من يعلم مدى وجعها.

*من صفحة الكاتب على الفيسبوك