د. ياسين سعيد نعمان

د. ياسين سعيد نعمان

تابعنى على

بين خطابين

منذ 8 يوم و 14 ساعة و 6 دقيقة

قرر القائد، الذي تخوض بلاده حرباً دفاعية عن سيادتها، أن يقوم بجولة يستطلع فيها أوضاع الشعب، وتفاعل الناس وحماسهم للدفاع عن سيادة بلدهم وانخراطهم في التشكيلات العسكرية، ومدى استعدادهم للتضحية.

بدأ بالمقاطعة الأولى، حيث تجمع الآلاف في ساحة بلدية عاصمة المقاطعة يلوحون بالأعلام الزاهية، ويقرعون الطبول، وينفخون في الأبواق ويهتفون بحياته وحياة الوطن، وقام رئيس المقاطعة رئيس لجنة الدفاع بإلقاء خطاب ناري أكد فيه على وقوف أبناء المقاطعة إلى جانب القائد العظيم في مهمته التاريخية، وتقديم التضحيات بالغالي والنفيس حتى تحقيق النصر. انهمرت الدموع من عيني القائد، وقال لنفسه كيف لي أن لا انتصر وأنا أحظى بهذا الدعم الشعبي الهائل. 

تكرر الموقف في المقاطعة الثانية، حيث انتدب أحد الوجهاء ليرحب بالزعيم القائد معاهداً سموه على التضحية بكل تملكه البلدة من مال ورجال حتى تحقيق النصر، واستبدل عبارة القائد العظيم بالقائد الفذ، وحلت التضحية برجالنا ومالنا بدلاً عن العالي والنفيس. وسالت دموع القائد مرة أخرى بصورة أغزر من السابق، حتى إن مرافقيه سمعوه يردد: لن أُهزم وورائي مثل هؤلاء الرجال.

وفي آخر مقاطعة زارها ذلك اليوم، تجمهر الناس يتقدمهم ثلة من الشباب يحملون العلم في حركة استعداد معبرة، ولاحظ القائد أن الهتافات تردد بتحفظ وبلا زعيق أو طبول وبدون أبواق وأهازيج، وقام محافظ المقاطعة بإلقاء كلمة هادئة رحب فيها بالقائد، وخلت من التوصيفات، وخاطبه باسم المقاتلين في جبهة القتال من أبناء المقاطعة والمئات من شهدائها أن يعيد النظر في إدارة المعركة، فهنالك كثير من الأخطاء التي لا يمكن للحرب معها إلا أن تكون مقبرة لأحلام الشعب في الانتصار على الأعداء وتحقيق السلام والاستقرار.

لم يشاهد المرافقون هذه المرة دموعاً في عيني القائد، وحلت محل الدموع نظرات تساؤل واستنكار. 

عاد القائد إلى العاصمة وكل همه أن يعرف السر من وراء ذلك الاستقبال "الفاتر" للمقاطعة الثالثة من زيارته في ذلك اليوم والمختلف كلياً عن الاستقبال الحافل البهيج في الأولى والثانية.

أخذ يضرب أخماساً في أسداس، وراحت الوساوس تعبث بعقله خوفاً من أن اختراقاً معادياً قد تمكن من إحداث شرخ في الجبهة الداخلية!!

وهو في ذلك الوضع الذي قلب كيانه رأساً على عقب، فوجئ بتقرير لجنة الدفاع المركزية المشرفة على التعبئة العامة، والذي جاء فيه: إن المقاطعتين الأولى والثانية لم يشارك منهما في الحرب سوى 3% من القادرين على حمل السلاح، وأن معظمهم تهربوا، ولم تقم لجنتا الدفاع فيهما بواجب التعبئة حسب ما تقتضيه النظم والأوامر، وأن إعفاء الميسورين من الخدمة ارتبط بشبهة فساد كبير. كما أن مساهمة المقاطعتين في التعبئة المادية لصالح الحرب تكاد تكون صفراً. أما المقاطعة الثالثة فقد انخرط كل أبنائها القادرين على حمل السلاح في الخدمة العسكرية حسب نظم الاستدعاء، وقامت لجنة دفاع المقاطعة بواجب التعبئة المادية والبشرية بصورة ممتاز، وقدمت المقاطعة عدداً كبيراً من الشهداء، وحتى النساء تبرعن بحليهن.

صمت القائد، وأسقط في يده. أدرك أن الزعيق والمديح إنما يخفي تحته خذلاناً، وأن المكاشفة هي وجه لحقيقة لا تقبل الشك وهي الاستعداد للتضحية والموقف الذي تجسده.

*من صفحة الكاتب على الفيس بوك