محمد ناجي أحمد

محمد ناجي أحمد

تابعنى على

الانقلاب عن مسار الرسالة المحمدية.. حرب السيوف والنصوص

منذ 44 يوم و 19 ساعة و 43 دقيقة

منذ اللحظات الأولى لمرض النبي (ص) الذي تُوفي على إثره، بدأت معركة النصوص.

 فمن قائل إن النبي ولّى أبا بكر على الصلاة كرمزية لتوليته الإمامة السياسة، ومن قال بل خرج يتوكأ على علي بن أبي طالب ليزيح أبا بكر عن إمامة الصلاة. 

ومن قائل بأن النبي أراد أن يكتب كتابا للأمة لن تظل بعده أبدا، في إشارة إلى الوصية، لكن عمر بن الخطاب قال لهم إنه يهجر، يكفينا كتاب الله.. وكأن عمر أعاق تتميم واكتمال الرسالة!

ثم كان الصراع في سقيفة بني ساعدة بين الأنصار الذين يرون نصيبهم بـ"الرسالة"، فقد ذهب الناس بالغنائم، بعد فتح مكة وحنين، وعادوا هم بالرسول، الذي قال لهم: ... لو سلك الناس واديا وسلك الأنصار واديا لسلكت وادي الأنصار... -ومع المهاجرين الذين يرون أنفسهم البذرة الأولى للإسلام..

لم تكن خلافة أبي بكر وعمر خلافة وفق النظرية القرشية، فما كانوا من أعمدتها، ومما يؤكد ذلك قول عمر حين اختار الستة للشورى واختيار واحد منهم ليلي أمر الأمة: لو كان سالم مولى أبي حذيفة حيا لوليته...

ومع مقتل عثمان بن عفان بدأ الصراع داخل من تبقى من أهل الشورى الذين اختارهم عمر.

 فقد مات عبد الرحمن بن عوف، ولم يبق سوى علي بن أبي طالب والزبير وطلحة وسعد بن أبي وقاص.

 وعبد الله بن عمر كان حكما وليس له من الأمر شيء. 

فكان الصراع بين علي بن أبي طالب من جهة والزبير وطلحة، من جهة أخرى، واختار سعد بن أبي وقاص الاعتزال.

فما كان من الزبير بن العوام وطلحة إلا أن جعلا من عائشة زوج النبي قائدة لمعركتهم ضد صهر النبي. وهنا كان للأحاديث والحكايات دورها في الصراع.

إنه صراع بالسيوف والنصوص في آن.

وهي نصوص تحمل جينات وثقافة ووعي المجتمع.

ابتداء من خلافة أبي بكر وعمر اللذين يريان النبوة إرثا للأمة، فالأنبياء لا يورثون دينارا ولا درهما. 

ومرورا بمعركة الجمل بين ضفتي علي بن أبي طالب صهر النبي وابن عمه وبين وعائشة بنت أبي بكر، أحب نساء النبي، من كان يصفها بـ"الحميراء" ويرى شيعتها بأن نصف الدين منها، عملا بما يروونه منسوبا للنبي: خذوا نصف دينكم من عائشة. 

هنا كانت النصوص المضادة تستدعي وعيا جمعيا يقلل من كينونة المرأة عقلا ودينا، فـ"أمر الأمة لا يليه النساء..."، "إن أمر الأمة لا يصلح أمرها النساء..."، "وليس سوى العجم واليمن من أمّر النساء..."، في سياق احتقاري للعجم واليمن، فالعقل البدوي يرى في التطور الحضاري للعجم واليمن منقصة!

"إنه لا يفلح قوم تدبر أمرهم امرأة"، "يخرج بعدي قوم ترأسهم امرأة لا يفلحون أبدا".

وصولا إلى الصراع بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، أي بين الولاية "الوصية" كثمرة لقريش وبين النظرية القرشية التي تحتكر الإمامة في قريش، فتقول بنصية "الإمامة في قريش".

هنا استمرت ثنائية الوصية والقرشية سمة للحروب التي أخذت مناحي عديدة ابتداء من معركة "صِفِّين" ومرورا بعام الحسم الذي سيطر فيه معاوية على الحكم بعد اغتيال الخوارج لعلي بن أبي طالب، فسمي ذلك العام بعام السنة والجماعة.

لم يتوقف الصراع على السلطة رافعا المصاحف فوق السيوف.

فالدين وتأويله ظل هو الحامل الأيديولوجي الذي يستند عليه أهل السنة والجماعة والشيعة بكل فرقها والخوارج الخ.

إلاّ أن فكر الخوارج بفرقهم الأزارقة والصفرية والإباضية، رأوا أن الإمامة ليست واجبة ولا نصا، وبالتالي فهي ليست قرشية ولا وصية وإنما حق للأمة. 

وكانت الإباضية هي أكثر فرق الخوارج إنتاجا نظريا...  

هو صراع على السلطة والثروة كان فيه السيف والخطاب يتكاملان في إعطاء القدسية والحق لطرف وتفسيق الخصم أو وصفه بالمنافق أو تكفيره.

 صراع استحواذ على الدنيا يصل في خياله إلى النفي من جنة الآخرة، والتخليد في جحيمها...

حكايات تستولد بعضها بعضا تم توظيفها في الصراع، كل بحسب موقعه في تلك الضفاف...

حتى أن الحكايات الحوارية والسجالية والمناقشات كانت تختلق ثنائية سجالية، لكننا عند تحليل تلك الحكايات وظيفيا سنجدها تتكون بنيويا من ذات البؤر الوظيفية، يبدأ الطرف الذي اختلق الحكاية بعرض حجته ونصوصه، ثم يستنطق الخصم بخطاب واهن، لا يلبث أن يجعله يتلعثم أو يسلم أو يعلن بأنه مكابر، أو يتوارى خجلا أو أو الخ.

*  *  *

حين دخل محمد بن عبد الله بن عبد المطلب (ص) مكة، جاء في خطبته بباب الكعبة: " ... يا معشر قريش، إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتَعَعظّمها بالآباء، الناس من آدم وآدم من تُراب، ثم تلا هذه الآية:

"يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ".

 التعدد والاختلاف من أجل الوحدة التعارفية، من أجل الاندماج للمتعدد...

 الوحدوي هو الأتقى، هو الأكرم، هو الأفضل!

ما أعظمك أيها الإنسان المحمدي.

كلكم من آدم وآدم من تراب...

هذه هي الرسالة المحمدية، فمن تاه عنه جوهرها فليع...

الوصية للآل والأهل والعصبوية القرشية نقيض لحقيقة رسالته، التي كانت خاتمة تدرج الإنسان نحو توقه المطلق من كل الدوائر الضيقة...

إنها رسالة اكتمال ضد كل العصبويات... ابتداء من العصبوية للأنا، وليس انتهاء بعصبوياتنا وتحيزاتنا العائلية والعشائرية، بأشكالها البدوية المتعددة، تلك التي قال لأصحابه موجها لهم، حين وجدهم يستصرخون قبائلهم:

دعوها فإنها منتنة.

الرسالة المحمدية هي اكتمال تحررنامن كل الظلاميات!

المحمديون هم الإنسانيون...

*  *  *

مبدأ خاتمية الرسالة تم الاحتيال عليه بفكرة الولاية والقرشية...

كانت الرسالات انتماء لفكر المرحلة الإقطاعية، ولهذا كانت النبوة المحمدية كصلاح لكل زمان ومكان، أي الفكرة المطلقة والعابرة للأزمنة خاتمة للزمن الثقافي الإقطاعي.

الانقلاب على النبوة؛ بما هي التعبير الحقيقي لاكتمال زمن الإقطاع، والانتقال إلى أزمنة تالية -كان من خلال إعادة إنتاج أساطير وخرافات الأزمنة الغابرة..

الولاية والقرشية هي الانقلاب على الأعقاب "وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ"..

كان أبو بكر وعمر هما الفهم العقلاني للرسالة المحمدية، ثم كان النكوص في مستنقع العرقيات..

كانت رسالة للعالمين فانقلبوا عليها لتكون رسالة للأحساب والأنساب... "وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ".

أن تصف الله بالتحيز لعرق أو عصبية أو جهة فذلك ذروة الشرك المؤدي إلى الإلحاد..

الله ليس كمثله شيء... كل ما نتصوره عنه فهو على الغيرية...

تحويل الألوهية من قيمة إنسانية مطلقة إلى عصبويات نتنة هو الانقلاب عن مسار الرسالة في تاريخيتها وغاياتها!

*جمعه "نيوزيمن" من منشورات للكاتب على صفحته في الفيسبوك.