فهمي محمد

فهمي محمد

تابعنى على

تقهقر التاريخ وأسئلة الثورة في اليمن؟!

الثلاثاء 29 يونيو 2021 الساعة 06:48 م

في ستة عقود فقط فجّر اليمنيون من واقع معاناتهم ثلاث ثورات ووحدة، بالإضافة إلى قيام ثورة تصحيحية في الجنوب وأخرى في الشمال، ناهيك عن كفاح سياسي طويل وغير منقطع في تضحياته الجسام، لا سيما وقد برز على امتداد هذا الكفاح أسماء مناضلين كبار ومكونات سياسية خاضت معترك التغيير السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وأكثر من ذلك سقط في مسار هذا الكفاح الكثير والكثير من الشهداء والجرحى والضحايا من السياسيين والمدنيين، وكل ذلك كان وما يزال بهدف الانتصار لفكرة الخلاص مما هو قائم وتحقيق ما يجب أن يكون عليه حال اليمنيين.

مع كل ذلك ما زال واقعنا السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي يستدعي ضرورة الفعل الثوري، وكائن هذا الأخير هو الهدف بحد ذاته أو أنه قدرنا الذي يجب أن نعيش دائماً في ظل اعتمالاته وليس المستقبل الذي يجب أن يتحقق بفعل الثورة ويجتاز بالناس أسباب الثورة التي تنعدم في ظله، بمعنى آخر لا يجتمع -في شعب ما وفي زمان واحد- المستقبل الذي يجب أن يكون عليه واقع الحال مع أسباب الثورة التي تستدعي بالضرورة فكرة التغيير.

وإذا كان ما هو في حكم المؤكد، يؤكد لنا أن المستقبل كان وما يزال هو الهدف المتعثر تحقيقه على مدى التجربة/ التاريخية/ الثورية/ التي بدت تتصدر المشهد السياسي في اليمن منذ ستة عقود، فإن حاصل ذلك يعني أن مخرجات الفعل الثوري بما تشكله من وقائع وأحداث وحتى شخصيات حاكمة في اليمن قد أصبحت تكذب مقولة الماركسيين القائلة "إن التاريخ لا يعيد نفسه" وإن فعل فإنه في الأولى يكون مأساة حقيقية وفي الثانية ملهاة مضحكة.

التاريخ كحالة سلبية -خارج مفهوم الصيرورة -أي الماضي- يعيد نفسه في اليمن أكثر من مرة وبشكل أسوأ من ذي قبل، ما يعني في النتيجة أن التاريخ في اليمن يتقهقر للوراء، بشكل يناقض مقولة المفكر على أملل حين قال في كتابه "السلطة السياسية والسلطة الثقافية" -إن التاريخ يقدم نفسه حليفا لشعوب نحو التقدم- أو أنه "أي التاريخ" حاصل الممكنات التي تحققت على حد تعريف أحد الفلاسفة الألمان، لا سيما وأننا في اليمن قد فشلنا حتى الآن في تحقيق الممكنات التي يجب أن تستقيم مع فكرة التغيير، مع العلم أن محددات المستقبل الذي نكافح من أجله قد أصبحت عند الآخرين في حكم البديهيات المسلم بها كضرورة حتميه من قِبل كل المكونات السياسية والاجتماعية، فالدولة والديمقراطية ووطن العيش الكريم، قد تم الحسم في شأن وجودهما منذ قرون وأصبح المستقبل لديهم معنيا الآن بتحقيق الرفاهية الكاملة للإنسان والحيوان على حد سواء، هكذا أصبح الرهان على المستقبل عند هؤلاء الذين انجزوا ثورة الخلاص من الماضي، وتحول التاريخ معهم إلى صيرورة نحو التقدم بالمعنى الذي ذهب إليه الكاتب على أملل في مقاله أن التاريخ يقدم نفسه حليفا للشعوب نحو التقدم.

في كتابه الصادر في عام 2012 تحت عنوان، "الحضور التاريخي وخصوصيته في اليمن"، يتحدث الباحث الكبير قادري أحمد حيدر عن إشكالية هذا الحضور التاريخي بما يعني أن هناك خصوصية يمنية في حجم هذا الحضور وتحكمه في الحاضر المعاش من منطقة إلى أخرى، ففي حين يبدو هذا الحضور مكثفاً في مناطق شمال الشمال (التوحد السلبي بالتاريخ على حد وصفه)، يقل تدريجياً كلما اتجهت نحو الجنوب، ومع أن الباحث كان موفقاً في دراسته حول خصوصيات هذا الحضور التاريخي إلا أنه في نفس الوقت يصف إشكالية هذا الحضور على المستوى الوطني بالقول (إن سؤال الحضور التاريخي يعني أننا في كثير من تفاصيل حياتنا اليوم ما نزال نتحرك في إطار الماضي أو أن ذلك الماضي/ التاريخ هو الذي يحدد ويتحكم بمسار حركتنا وحياتنا) وبهذا الخصوص يعتبر الأستاذ قادري أن تشيكل الأحزاب السياسية على مستوى الشمال والجنوب كانت هي الخطوة الأولى في سبيل إزاحة هذا الحضور التاريخي، وإن ثورة سبتمبر وأكتوبر كانت الخطوة الثانية في سبيل إزاحة هذا الحضور التاريخي في اليمن، ومن ثم ثورة الشباب، لكن سؤالنا يقول هنا، هل كان الباحث يتصور أنه بعد ثورة الشباب أو بعد صدور كتابه بعقد من الزمن سوف يفشل اليمنيون تماماً في استكمال معركة إزاحة هذا الحضور التاريخي أو إلغاء حالة التوحد السلبي بالتاريخ، بل على العكس من ذلك سوف يركضون إلى الوراء ويدخلون مرحلة تقهقر التاريخ بعد ثلاث ثورات ووحدة؟!

إذا كان الحضور التاريخي يعني أن الماضي هو الذي يحدد ويتحكم بمسار حركتنا وحياتنا الحاضرة فإن تقهقر التاريخ يعني أن الماضي قد تمكن من إلغاء الحاضر وحتى من إلغاء وجودنا فيه وأنه مع هذا التمكن بدأ يستأنف بنا رحلة العودة إلى خارج حدود العصر، أو إلى محطة القطيعة النهاية مع المستقبل الذي يجب أن يكون، لا سيما وأن تقهقر التاريخ في أي بلد لا يعني سوى العلامة الكبرى التي تدل على تعطيل فكرة التغيير، بما هو تغيير يصنع المستقبل.

وعلى نفس المنوال إذا كان الحضور التاريخي وخصوصيته في اليمن، على حد وصف الباحث قادري في عام 2012، يعني أننا لم نجِب على الكثير من أسئلة الواقع (الحاضر) والتاريخ، أو أننا مستمرون في الإجابة عليها بنفس تلك الإجابات التاريخية الكلاسيكية المملة والبليدة، خصوصاً وأن مسألة الحضور التاريخي تعني لديه أننا أمام مجتمع سياسي يتحرك ببطء نحو المستقبل، أو لا يمتلك مشروعاً للمستقبل، فإن تقهقر التاريخ يعني هنا أننا بعد ثلاث ثورات ووحدة لم نجِب بكل أمانة على أسئلة الثورة في اليمن، ولم يبد علينا حتى علامة الاستعداد والتأهيل لذلك.

إن مسألة تقهقر التاريخ كحالة موضوعية سياسية واجتماعية نعيشها اليوم في اليمن، تكفي بحد ذاتها لتدفعنا أو تدفع البعض منا إلى مجرد التفكير والتأمل بطرح أسئلة الثورة في اليمن -ناهيك عما نعانيه ثقافياً واقتصادياً- ما يعني أنه من غير المعقول أو المنطقي أن الوقت لم يحن بعد ثلاث ثورات ووحدة وكفاح طويل وتضحيات جسام، لكي نضع تجربتنا الثورية الممتدة لستة عقود في مختبر التحليل وعلى طاولة الدراسة والتأمل قبل طاولة الحوار، بهدف الحصول على إجابات علمية دقيقة وناجعة، تجاه أسئلة الثورة التي يجب أن نطرحها بعقلية نقدية تجردية، لا سيما وأننا حتى اليوم لم ننجح في صناعة المستقبل الذي يجب أن يكون، كما أن الفشل الذي نعيش فيه اليوم بعد ثورتنا الثالثة لم يتوقف عند حدود الفشل في مسألة التغيير على المستوى الوطني، بل تجاوز إلى الإخفاق الكبير في مسألة الحفاظ على شمولية الصيرورة التاريخية ببعدها السياسي والاجتماعي التي يفترض أن تتجه نحو المستقبل بفعل الثورة الثالثة، ما يعني أن تجربتنا الثورية في اليمن تطرح علينا أسئلة تتعلق بنجاعة الفكرة الثورية في اليمن، بعضها يقول على سبيل العموم:

هل الثورات في اليمن تشكل أحداثاً سياسية أم أحداثاً تاريخية وما الفرق بين الاثنين؟ 

لماذا نفشل دائماً في تحقيق المستقبل رغم تكرار الثورات في اليمن؟ 

لماذا ننجح في مهمة الفعل الثوري ونفشل في تطبيق مشروع الثورة؟

لماذا تتغير الوجوه الحاكمة بعد كل ثورة دون تغيير في مسار التوجه؟

هل تواجه الثورة في اليمن مشكلة الفساد السياسي والاقتصادي والإداري الصادر عن أشخاص أو طبقة حاكمة أم أن هناك اختلالات بنيوية يجب أن تتصدى لها الثورة بمشروع ثوري وحامل سياسي؟

لماذا يسهل دائماً على لصوص الثورة سرقة مشروعها الثورى؟

ما هي عوامل نجاح الثورة المضادة في اليمن؟

هل المكونات والنخب السياسية في اليمن مؤهلة لخوض معركة التغيير؟

والأدهى والأمرّ من بين تلك الأسئلة يقول لماذا اليوم يتقهقر التاريخ في اليمن نحو الماضي بهذا الشكل المخيف بعد ثلاث ثورات ووحدة استهدفت التقدم والمستقبل بكثير من التضحيات الجسام؟!