د. عيدروس نصر

د. عيدروس نصر

تابعنى على

الدكتور أحمد الصياد فارسُ آخر يترجل

منذ 50 يوم و 9 ساعة و 46 دقيقة

حزنتُ كثيراً لنبأ وفاة الدكتور والدبلوماسي والمؤرخ الأديب الدكتور أحمد الصياد الأمين العام المساعد لعدة سنوات لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (UNESCO) بعد عمرٍ حافل بالعطاء الوطني والأممي الفكري والأدبي والإنساني، ومسيرة شخصية مكتظة بالسمعة الطيبة والسلوك النقي والاستقامة السياسية والأخلاقية.

الدكتور الصياد أحد تلاميذ المدرسة اليسارية اليمنية واتصفت سيرته الذاتية بالمواقف الوطنية المشرقة خلال فترة النضال من أجل الديمقراطية والحرية ومقاومة القمع والاستبداد والتمييز.

 وقد تعرض مثل الكثيرين من كوادر الحركة الوطنية اليمنية للتهميش والإقصاء والملاحقة والتضييق، وبعد كل هذا التحق بالعمل في منظمة الأمم المتحدة (اليونيسكو) كممثل لليمن (الجمهورية العربية اليمنية) في إطار التسويات السياسية التي شهدتها فترة مطلع الثمانينات.

 ولست أدري إن كان قد شغل قبلها أي منصب دبلوماسي آخر، بيد أن تفوق الرجل وبروزه كشخصية أممية ناجحة في مهماتها الروتينية قد جعلت المنظمة تتمسك به حتى بعد انتهاء فترة انتدابه عن اليمن.

وطوال عقود ظل الرجل مديرا للبرامج ثم أميناً عاماً مساعداً للمنظمة وعلى يديه ومن خلاله نفذت آلاف البرامج في العديد من البلدان الفقيرة، منها مئات المشاريع التنموية من مدارس ومراكز صحية وثقافية وغيرها من المشاريع الخدمية المتصلة بالتربية والتعليم والثقافة والعلوم في دولتي اليمن ما قبل 1990م كما ما بعد ذلك.

كان لي شرف المشاركة في عدة فعاليات لملتقى البرلمانيين أصدقاء اليونيسكو كعضو في الملتقى منذ العام 2006م، ومن خلالها تعرفت على الرجل عن كثب، رغم ما سمعت عنه من قبل، وقد بدا د. الصياد الذي يشغل واحداً من أرفع المناصب في الأمم المتحدة يفوق في أهميته منصب رئيس المنظمة وأمينها العام نفسه، بدا متواضعاً بسيطاً زاهداً ولكن ماهراً في عمله أميناً في عطاءاته مع الدول والهيئات والبلدان التي يتعامل معها حريصاً على القيام بمهماته وإنجاز خطط منظمته على أعلى المستويات من الجودة والنوعية والإتقان، بعيداً عن غرور السلطة وهيلمان الموقع وإمكانياته.

للدكتور الصياد أعمالٌ أدبيةٌ مميزة منها روايته الشهيرة "آخر القرامطة" وهي عمل أدبي يجمع بين المأساوي والسياسي والإنساني وبين الواقعي والفانتازي، تناول فيه العمل الإرهابي الذي ذهب ضحيته الشهيد جار الله عمر، وقد مزج فيه بين الوقائع التي اكتنفت الحادثة وما بعدها  وبين الخيال الذي يصور أحداثاً تجري في العالم الآخر على نحو قدم نوعاً من المقارنة بين حياة الضحية وحياة الجاني ما بعد الموت.

 ولم يخلُ العمل من لمسات إبداعية جميلة تعبر عما يمتلك الرجل من قدرات أدبية وثقافية ومهارات لغوية وخلفية سياسية ودينية عميقة.

وفاة الدكتور أحمد الصياد تمثل خسارة كبيرة لكل دعاة الخير والإنسانية والفكر التنويري وكل القوى الوطنية، وقبل هذا وبعده خسارة لملايين البسطاء الذين قدم لهم خدماته الجليلة المختلفة من خلال المنظمة الدولية التي أمضى فيها نصف عمره مخلصاً ووفيا مع المستهدفين ببرامجها.

رحم الله الفقيد الدكتور أحمد الصياد، وتغمده بواسع رحمته وأسكنه فسيح جناته. 

وبهذا المصاب الجلل أتقدم بصادق مشاعر العزاء والمواساة لأهله وذويه ورفاقه ورؤسائه ومرؤوسيه وإلى جميع العاملين معه في منظمة الأمم المتحدة وكل محبيه أينما كانوا.

إنا لله وإنا إليه راجعون.

*من صفحة الكاتب على الفيسبوك