فهمي محمد

فهمي محمد

تابعنى على

سلاح الجيش وخلق واقع اللا دولة في مدينة تعز!

الجمعة 13 أغسطس 2021 الساعة 08:58 م

أصبح الحديث عن الجيش يزعج الكثير ممن يرون وجود هؤلاء العساكر والدور المناط بهم في مدينة تعز من زاوية الجبهات والمواجهات العسكرية مع الحركة الحوثية، وهي مواجهات وتضحيات كبيرة اشترك في تقديمها العسكري والمدني، هذا إذا لم يكن عدد الشهداء المدنيين أكثر من الشهداء العسكريين في تعز.

الفارق بين منتقدي الجيش -لا سيما الذين ينتقدون وضع الجيش والأمن بمعزل عن التكايد السياسي التحزبي- وبين هولاء الغاضبين في وجه كل من يتناول سلاح الجيش بالنقد يكمن في تحديد مساحة الرؤية /السياسية/ المستقبلية/ التي يتخذها كل من الطرفين تجاه الدور المناط بأفراد الجيش والأمن.

ففي الوقت الذي يرى فيه هؤلاء الغاضبون لأفراد الجيش والأمن ودورهم بمنظار الجبهات والقتال في وجه الحركة الحوثية (وهو قتال أصبح شبه متوقف منذ سنوات) لكي يظل البعض منهم حكاما سياسيين وعسكريين في شارع جمال والبعض الآخر مستفيدا من واقع اللا دولة داخل المدينة على حساب المواطن، والبعض الأخير يرى في الجيش حماة لديار العقيدة الإسلامية من خطر الشيعة الإمامية، وكل هؤلاء الأبعاض لا يتجاوز إيمانهم بفكرة الجيش الوطني شحم آذانهم بدليل أن سلاح الجيش دون غيره هو من يخلق واقع اللا دولة داخل مدينة تعز، دون أن يتحرك لهم ساكن أو يستشعروا قليلاً من خجل المسؤولية أو المروة التي شعر بها الكثير من المواطنين وهم يشاهدون مقطع الفيديو الذي يعرض ملاحقة ونهب أحد بائعي القات على بعد خمسين مترا من المجمع القضائي الذي يرمز للعدل والقانون، ربما يحدث مثل هذا يومياً وما خفي أعظم، لأن وجود الدولة ككيان سياسي وقانوني لا يقل خطراً عليهم من خطر الحركة الحوثية التي يقاتلونها في الجبهات، وعلى وجه التحديد أقصد الجالسين في مواقع المسؤولية والقيادة العسكرية والأمنية،ط. 

وإذا كان واقع الحال لا يفسر غير ما ذكر فإنه على العكس من ذلك يجد المنتقدون أنفسهم معنيين في توسيع مساحة الرؤية تجاه دور الجيش والأمن على اعتبار أن تعز بعمقها السياسي والثقافي والتمدني بقدر ما هي معنية في القتال ضد مشروع الحركة الحوثية الانقلابية بقدر ما هي بنفس المقدار معنية في خلق النموذج السياسي (الدولة ومؤسساتها) داخل المدينة، وبدون خلق هذا النموذج السياسي لا نكون قادرين على الحديث دون خجل عن جيش وطني أو حتى عن شرعية ندعي وجودها ونطالب المجتمع الدولي بالوقوف معها، وعن انقلاب نقاتله بالسلاح في الجبهات وبالفشل السياسي والأمني داخل مدينة الثورة التي خرج شبابها في سبيل المطالبة بالدولة المدنية الحديثة!

نستطيع القول إن الحرب في اليمن بكل ما فيها من قبح، إلا أنها منحت تعز فرصة مبكرة للاختبار السياسي مع الذات في إدارة معركة بناء الدولة فكل القيادات السياسية والعسكرية والحزبية والموظفين وأفراد الجيش والأمن من أبناء تعز، هذا من جهة، ومن جهة ثانية إذا كانت/ الدولة / النموذج / ككيان سياسي وقانوني يجب أن تتجاوز في حضورها مفهوم السلطة التي تحكمنا في تعز، فإن النجاح في معيار التجاوز يتطلب في المقام الأول وجود جيش وطني أو العمل على وجود هذا الجيش الذي يسخر سلاحه في دعم معركة بناء الدولة وحماية حقوق المواطنين وليس في خلق واقع اللا دولة في حياتهم اليومية كما هو الحال مع سلاح الجيش في تعز.

الحديث عن واقع اللا دولة الذي يخلقه سلاح الجيش في مدينة تعز له أكثر من مظهر، فقبل أيام في إحدى الجلسات وأنا أتحدث مع أحد القادة العسكريين، أخبرني أنه تفاجأ عندما شاهد العديد من أفراده العسكريين يتناولون القات "بملء الفكين" وعندما سألهم عن سر هذه النهم في تناول القات أجابه البعض منهم إنه الإماراتي، وعند سؤالي عن الإماراتي أجاب هذا القائد -هو عبارة عن حبوب فلتارين يضعها متعاطي القات تحت اللسان، فتعمل على زيادة نشاطه في تناول كمية القات ولفترة طويلة- ما يعني أن هؤلاء الأفراد يحتاجون يومياً إلى زيادة مستمرة في كمية القات، والحصول على كمية كبيرة من القات تحتاج إلى فلوس وسيولة يومية، ولما كان الحصول على المال الشرعي غير متاح يومياً فإن سلاح الأفراد يتدخل لتغطية العجز في الحصول على المال أو القات بطرق غير مشروعة، وهذا يفسر جزءاً من تعرض بائعي القات للنهب تحت تهديد السلاح.

في مظهر ثانٍ من المظاهر المتعددة لواقع اللا دولة الذي يخلقه سلاح الجيش في مدينة تعز يتعلق بتوقف جبهات القتال وتحول بعض قيادات المجاميع العسكرية إلى مشايخ صغار تعتمد في دخلها اليومي على التدخل في المنازعات العقارية وبيع أملاك الآخرين، والبعض يسطو مباشرة على أراضي المواطنين بالبيع والشراء وحتى خيار اللجوء إلى القضاء يجعل هذا الأخير عاجزاً وحذراً في ضبط هؤلاء العساكر بسبب حصانة سلاح الجيش، وبخصوص ذلك نستطيع القول بأنه لا توجد أرضية منهوبة أو بيت مغتصبة إلا وأحد أفراد هذا اللواء أو ذاك هو القائم بالنهب أو الاغتصاب، ناهيك عن تدخل سلاح الجيش في نصرة صديق أو قريب لأحد الأفراد ضد آخر يستعين هو الآخر بسلاح قطاع آخر من الجيش، وقد كان أحد الأصدقاء موفقاً حين قال ساخراً في تعليقه ذات مرة على أحداث الاشتباكات بالقول يبدو أننا نملك ألوية عسكرية للفزعات.

في تعز يتسع الخرق على الراقع كل يوم وسلاح الجيش الذي يخلق واقع اللا دولة داخل المدينة في ظل عجز القيادة العسكرية عن السيطرة هو السلاح نفسه الذي يحول أفراد الجيش إلى عصابات مسلحة تتقاتل مع بعضها البعض على أراضي الناس، وهذا بحد ذاته يعبر عن أسوأ مظاهر اللا دولة بل عن أسوأ مظاهر اللا سلطة في تعز.