فهمي محمد

فهمي محمد

تابعنى على

عن المثقف وسلطة أهل الفكر في اليمن (1/2)

الأحد 05 سبتمبر 2021 الساعة 10:13 ص

الإهداء / إلى روح الفقيد عبد الحبيب سالم مقبل، الكاتب الذي استطاع في أقل من أربع سنوات أن يلفت وعي الجماهير إلى قلمه الذي شرع في تأسيس سلطة أهل الفكر لو أن الموت الغامض أبقاه لنا وقتاً أطول في ميدان العطاء، أتذكر وأنا صغير كنت أسمع صوت بائع الصحف الجايل في شوارع تعز يعرض على الزبائن شراء صحيفة صوت العمال بالقول عبد الحبيب، عبد الحبيب، ثم يتسارع القراء على الشراء، ولولا كتاباته ما كانت صوت العمال أكثر الصحف مبيعاً في الجمهورية. إليه أهدي هذا العمل المتواضع.

في كل الأحوال تظل أهمية الحديث عن المثقف ودوره وحتى تعريفه بشكل دقيق ناتجة عن أهمية الإجابة على سؤال ومعنى وكيفية الانتصار لفكرة التغيير في أي مجتمع، كما أن المثقف المقصود تناوله في هذه المقالة كمثال للمثقف الذي اشتغل على نقد الواقع السياسي والاجتماعي وحتى الاقتصادي المحيط به هو ذاك الكاتب (الناقد) الذي ظهر في القرن الثامن عشر في أوروبا، خصوصاً وأن مثل هذا الكاتب قد استطاع أن يمارس دوراً نضالياً عُرف من خلاله وبذاته الفردانية بكونه حاملاً للحداثة وداعية للتغيير في وجه السياسي الحاكم في أوروبا هذا من جهة، ومن جهة ثانية فإن القرن الثامن عشر نفسه هو القرن الذي ظهر فيه مصطلح المثقف كاسم جامع تم إطلاقه على كل من يسعى إلى تغيير الواقع بأفكاره وتصوراته. 

فالكاتب الأوروبي في القرن الثامن عشر لم يقف عند حدود التطور الذي حققه من حيث الشكل والمضمون في صنعته (الكتابة الناقدة للواقع الملهمة في معركة التغيير) بل أكثر من ذلك كان يملك في جعبته الكثير مما يجب أن يتم بناؤه على أنقاض واقعه التقليدي الذي اشتغل على نقده لهذا وذاك تم تسمية هؤلاء الكتاب مثقفو عصر الأنوار، فقد مهدت أفكارهم النقدية لاندلاع أكبر الثورات في التاريخ العالمي (الفرنسية والإنجليزية) كما ساهمت أفكارهم وتصوراتهم البنيوية في رسم المستقبل الذي نجده حاضراً في القارة الأوروبية، وهذا ما يعترف به زعيم اليعاقبة "روبيسبير" رغم تهجمه عليهم بالقول إن نقد هؤلاء لا يعرف الحدود.

المثقف في كل زمان ومكان كاتباً كان أو متكلماً له رسالة وهي تعني أن عليه أن يغير واقعه بأفكاره، الأمر الذي يعني أن يكون له حضور ومكانه مؤثر في مجتمعه (سلطة أهل الفكر) وحتى تكون معركة التغيير ناجحة يجب أن تكون سلطة أهل الفكر قادرة على التأثير في حركة الجماهير أكثر من سلطة رجال السياسة والسلطة، غير أن تأسيس سلطة أهل الفكر تبدأ من النقطة التي يتحقق فيها وعي المثقف أو الكاتب بذاته ودوره تجاه واقعه ومجتمعه، فوعي هذا الأخير بذاته ودوره التنويري كفيل بأن يجعله حاضراً في كل المنعطفات التاريخية لا سيما في مواجهة صلف السياسي وفكره السلطوي وليس غائباً كما هو حال المثقف اليمني. 

يقول الكاتب الأردني ياسر ابو هلاله في وصف حال المثقف العربي بالقول (وسواء كان المثقف متديناً أو علمانياً فهو يحقق غياباً لصالح السياسي... فيما يستنزف السياسي اللحظة الراهنة بأنانيته وانتهازيته وشره، مختصراً المجتمع بذاته ولذاته) على هذا المنوال نستطيع القول بأن المثقف اليمني قد حقق بشكل خاص غياباً بلغ حد التلاشي لصالح السياسي المنفصل دائماً عن السياسة كفكرة مدنية.

ومع أن اليمن قد شهدت منذ عام 1990 وحتى عام 2014 مناخا ديمقراطيا وحرية الكلمة والنشر أكثر من أي قطر عربي آخر، ناهيك عن الأحداث السياسية والعسكرية التي كانت وما زالت تستدعي حضور المثقف ودوره النضالي منذ ثورة سبتمبر وحتى اليوم، إلا أن المثقف اليمني بمقياس سلطة أهل الفكر ظل يسجل غيابا لصالح حضور السياسي الذي يستنزف اللحظة، على حد وصف الكاتب ياسر أبو هلاله، ناهيك عن كون هذا السياسي يَقْدم دائماً على اغتيال الفرصة التاريخية التي بدأت سانحة أمام اليمنيين أكثر من مرة (ثلاث ثورات ووحدة في ستة عقود فقط) ثم نجد أنفسنا بعد ذلك في المربع الأول نتحدث فيه عن الدفاع عن الجمهورية ومقاومة الإمامة ومواجهة القوى الانفصالية ورفض الوجود الاستعماري الأجنبي!!!

دائماً وأبداً يفتقد اليمنيون في معركة التغيير لسلطة أهل الفكر، وهذه الأخيرة تترجم وجودها الواقعي في خلق رأي عام فعال يجب أن يكون حاضراً في معادلة الصراع الثوري، متسلحاً بأفكار المثقف الذي يعي ذاته ودوره، ما يعني في النتيجة أن الجماهير في ظل سلطة أهل الفكر تقف بوعي وإدراك إلى صف مشروع التغيير، ولا تظل قطيعا يساق بفعل السياسي كما هو حالنا اليوم، في الشمال والجنوب والوسط. وعطفاً على ذلك إذا كانت سلطة أهل الفكر هي أدوات المثقف الفاعلة، والتي يجب أن تحضر في معركة التغيير فإن غياب هذه السلطة في اليمن تطرح علينا سؤالا يقول لماذا فشل المثقفون في اليمن في مسألة تأسيس سلطة أهل الفكر خلال ستة عقود من النضال المتواصل، أو بمعنى آخر لماذا يسجل المثقفون غياباً مكثفاً لصالح حضور السياسي في كل منعطف تاريخي تمر به اليمن رغم الوجود العددي لهؤلاء المثقفين؟