"الجبهات المترابطة".. استراتيجية إيرانية لتوسيع النفوذ من لبنان إلى باب المندب

السياسية - منذ ساعة و 34 دقيقة
عدن، نيوزيمن، خاص:

سلّط تحليل سياسي موسع نشرته صحيفة "العرب" اللندنية الضوء على ما وصفه بـ"استراتيجية الجبهات المترابطة"، باعتبارها أحد أهم المفاتيح لفهم السلوك الإيراني في الشرق الأوسط وطبيعة الأدوار التي تلعبها الميليشيات والجماعات الحليفة لطهران في عدد من دول المنطقة.

ويرى التحليل أن قراءة التحركات الإيرانية من خلال ملفات منفصلة أو أزمات متفرقة لا تكفي لفهم حقيقة المشروع الإيراني، إذ تنظر طهران إلى الساحات الإقليمية المختلفة باعتبارها أجزاءً من منظومة أمنية وسياسية واحدة مترابطة، تتوزع على امتداد آلاف الكيلومترات من الخليج العربي مروراً بالعراق ولبنان وصولاً إلى البحر الأحمر ومضيق باب المندب.

وبحسب الصحيفة، فإن الأحداث التي تشهدها المنطقة في ظاهرها قد تبدو منفصلة جغرافياً ومتباينة سياسياً، غير أنها في الحسابات الإيرانية تشكل حلقات ضمن شبكة نفوذ متكاملة، تسمح لطهران بتوسيع هامش المناورة والردع في مواجهة خصومها الإقليميين والدوليين.

وجاء التحليل في وقت تشهد فيه المنطقة تصعيداً متزايداً بين إيران وإسرائيل، بالتزامن مع استمرار المفاوضات غير المباشرة بين طهران وواشنطن، ما أعاد تسليط الضوء على طبيعة الأدوات التي تستخدمها إيران لإدارة نفوذها وتوظيف حلفائها في صراعات المنطقة.

عقيدة أمنية تتجاوز الحدود

ويؤكد التحليل أن إيران لا تنظر إلى أمنها القومي باعتباره مرتبطاً بحدودها الجغرافية فقط، بل تعتبر أن خطوط دفاعها الحقيقية تبدأ من الساحات التي تملك فيها نفوذاً سياسياً أو عسكرياً خارج حدودها.

ومن هذا المنطلق، عملت طهران خلال العقود الماضية على بناء شبكة واسعة من الحلفاء والتنظيمات المسلحة في عدد من الدول العربية، لتتحول تلك القوى إلى أدوات تأثير وضغط تمنحها قدرة على التعامل مع الأزمات من خارج أراضيها.

ويشير التحليل إلى أن جوهر هذه الاستراتيجية يقوم على تجنب المواجهة المباشرة مع الخصوم داخل الجغرافيا الإيرانية، مقابل نقل الصراع إلى ساحات متعددة، بحيث تصبح أي مواجهة مع إيران مرتبطة تلقائياً بعدة جبهات متزامنة يصعب التحكم بها أو احتواؤها.

ويرى مراقبون أن هذه السياسة وفرت لطهران على مدى سنوات طويلة مزايا استراتيجية مهمة، إذ مكّنتها من مواجهة الضغوط الغربية والإقليمية من خلال أوراق نفوذ متنوعة، دون الحاجة إلى الدخول في مواجهات عسكرية مباشرة ومكلفة.

 الذراع الأكثر تأثيراً

ويخصص التحليل مساحة واسعة للحديث عن لبنان باعتباره أحد أهم النماذج التي تجسد مفهوم "الجبهات المترابطة". فمنذ تأسيسه، تحول حزب الله إلى أحد أبرز أذرع النفوذ الإيراني في المنطقة، وأصبح جزءاً رئيسياً من منظومة الردع التي تعتمد عليها طهران في مواجهة خصومها.

ولا تنظر إيران إلى الحزب كتنظيم حليف فحسب، بل تعتبره امتداداً استراتيجياً لمنظومتها الأمنية الإقليمية، وهو ما يفسر حجم الدعم السياسي والعسكري والاقتصادي الذي تقدمه له منذ عقود. 

ويشير التحليل إلى أن أي تطورات عسكرية أو سياسية تخص حزب الله تنعكس بشكل مباشر على الحسابات الإيرانية، كما أن طهران تحرص على ربط مستقبل الترتيبات الأمنية في لبنان بالتوازنات الإقليمية الأشمل.

أما العراق، فيمثل وفقاً للتحليل إحدى أهم ساحات النفوذ الإيراني وأكثرها حساسية. فالعراق لا يشكل فقط عمقاً جغرافياً لإيران، بل يعد أيضاً ممراً استراتيجياً يربطها بسوريا ولبنان ويمنحها مساحة واسعة للتأثير في موازين القوى الإقليمية.

وخلال السنوات الماضية، نجحت إيران في بناء علاقات متشعبة مع عدد من الفصائل والقوى المسلحة العراقية، الأمر الذي عزز حضورها داخل المشهد السياسي والأمني العراقي. ورغم الجهود الحكومية الرامية إلى تعزيز سلطة الدولة وتقليص نفوذ الجماعات المسلحة، فإن النفوذ الإيراني ما يزال حاضراً بقوة في العديد من الملفات الحساسة داخل العراق.

ويرى التحليل أن أهمية العراق بالنسبة لطهران لا تكمن فقط في نفوذه السياسي، بل أيضاً في كونه يمثل الشريان الجغرافي الذي يربط مختلف مكونات مشروعها الإقليمي.

الحوثيون وباب المندب

وفي منطقة الخليج العربي، تأخذ استراتيجية الجبهات المترابطة بعداً أكثر ارتباطاً بالاقتصاد العالمي وأمن الطاقة. ويشير التحليل إلى أن مضيق هرمز يمثل بالنسبة لإيران ورقة ضغط استراتيجية بالغة الأهمية، نظراً لكونه أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والتجارة الدولية.

ومن خلال قدرتها على التأثير في أمن الملاحة بالمضيق، تستطيع طهران توجيه رسائل سياسية وعسكرية تتجاوز حدود المنطقة لتصل إلى الأسواق العالمية والدول الكبرى. ويعتبر التحليل أن التهديدات المرتبطة بأمن الملاحة في الخليج لا تُفهم بمعزل عن الاستراتيجية الإيرانية الأشمل، التي تقوم على توسيع نطاق الصراع وتوزيع أوراق الضغط على أكثر من ساحة في الوقت ذاته.

وفي اليمن، يصف التحليل جماعة الحوثي بأنها أحد أهم مكونات شبكة النفوذ الإيرانية في المنطقة، نظراً للموقع الاستراتيجي الذي تسيطر عليه بالقرب من البحر الأحمر ومضيق باب المندب. ويؤكد أن أهمية الحوثيين بالنسبة لطهران لا تقتصر على البعد العسكري أو السياسي داخل اليمن، بل تتجاوز ذلك إلى منح إيران موطئ قدم بالقرب من أحد أهم الممرات البحرية الدولية.

فمن خلال النفوذ الحوثي، أصبحت إيران تمتلك ورقة إضافية للتأثير في حركة التجارة العالمية وسلاسل الإمداد الدولية، خاصة مع تصاعد الهجمات التي شهدها البحر الأحمر خلال الفترة الأخيرة ويرى التحليل أن هذه الجبهة منحت إيران بعداً استراتيجياً جديداً، حيث بات بإمكانها التأثير في الملاحة الدولية من أكثر من موقع جغرافي، سواء عبر الخليج العربي أو البحر الأحمر.

شبكة نفوذ تواجه تحديات متزايدة

ورغم ما حققته استراتيجية الجبهات المترابطة من مكاسب لإيران خلال العقود الماضية، إلا أن التحليل يشير إلى أن هذه المقاربة تواجه تحديات متصاعدة. فإدارة شبكة واسعة من الحلفاء والجماعات المسلحة تتطلب موارد مالية وعسكرية وسياسية ضخمة، خاصة في ظل العقوبات الاقتصادية والضغوط الدولية المتزايدة على طهران.

كما أن عدداً من الساحات التي شكلت ركائز للنفوذ الإيراني بدأ يشهد تحولات داخلية قد تؤثر على مستوى هذا النفوذ مستقبلاً. ففي العراق تتصاعد المطالب بحصر السلاح بيد الدولة، وفي لبنان يواجه حزب الله ضغوطاً سياسية واقتصادية وأمنية متزايدة، بينما تتعرض جماعة الحوثي في اليمن لضغوط دولية متنامية على خلفية تهديد الملاحة الدولية.

وأشارت صحيفة العرب إلى أن فهم السلوك الإيراني في المرحلة الراهنة لا يمكن أن يتم من خلال دراسة كل ساحة على حدة، بل من خلال إدراك طبيعة الترابط بين مختلف الجبهات التي تنشط فيها طهران. فإيران، بحسب التحليل، لا تنظر إلى لبنان والعراق واليمن والخليج العربي كملفات منفصلة، وإنما كأجزاء من منظومة نفوذ واحدة، تتفاعل مكوناتها مع بعضها البعض وتؤثر التطورات في أي منها على بقية الساحات.

ولهذا، فإن أي تسوية سياسية أو مواجهة عسكرية في إحدى هذه الجبهات ستكون لها انعكاسات مباشرة على بقية الجبهات، وهو ما يجعل استراتيجية "الجبهات المترابطة" أحد أبرز المفاتيح لفهم التحركات الإيرانية ومستقبل الصراع على النفوذ في الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة.