بين مدينتين: التربة والمخا (صور)

@ المخا، نيوزيمن، أمجد محمود: تقارير

2020-07-12 12:15:09

في زيارتي الأولى لمدينة المخا التاريخية، ذات الشهرة العالمية الشاسعة، وجدتني أدلف المدينة كما لو كنت ذلك الطائر الذي يسافر مواسم الهجرة إلى حيث يكون..

_كان الغروب يرسم على لجة الماء الشفق ليسدل الليل ستاره. 

كنا نقطع المسافة بين مدينتين على خارطة الجمهورية من التُربة "بكر غبش يلالي بيده سبيل بجيبه أمر عالي" تلك أغنية كتبها د.سعيد الشيباني الاقتصادي اليمني الشهير.. شاعريته ثورة وأغنيته تذكِرة سَفر حين لحنها وغناها فنان الشعب محمد مرشد ناجي لتحصد حضورا لا ينقطع وصدى له رجع ومدى.. ما زال هناك ثمة حاجة إلى شاعر يثير في الناس الحماسة ويحرك فيهم الدم يقرع الطبول الوحشية، ينتظم الإيقاع نثراً وقافية وتفعيلة على اليسار.

التُربة مدينة عانت الكثير من التغييب، والإقصاء.!

_امتطيت السيارة باتجاه الساحل الغربي من "المركز" مفرق طرق تفرعت الطرق، ذهبت معي كان جواري اربعة من الناس، والسائق يحكي عن الغلاء، اسعار المشتقات تفتك بما تبقى لكنه يؤكد سنوصل المخا بعد العِشاء.. كان الوقت يربك روحي وثمة قلق يتصاعد بذاكرتي كيف الطريق؟

وعرة نصفها والنصف معبد بالأحجار، والاسفلت مروراً بجبال "راسن" وبني شيبة الشرق والغرب وغيل بني عُمر.. بني مُحمد، بني مَسن، كثيرة هي القرى والعُزل المتناثرة على حواف الطريق التي تربط بين البحر، والبر..

هذه الأرض الجبلية، والسهلية تتنوع محاصيلها وتنوس بسوائلها النخيل، والإبل والأغنام والاشجار ذات البهجة تبث على الدوام الاخضرار.. هاجرت الشمايتين وهو الاسم العريض لمديرية حوت قلبها النابض باليمن.. هاجر ابناء هذه القرى قبل تفتق الحِقب وجابوا البحر والبر وصلوا إلى الساحل الشرقي لإفريقيا بحثاً عن ملاذات آمنة تقيهم بطش الأئمة الذين حكى عنهم "محمد عبدالولي" في روايته العالمية "يموتون غرباء"، حيث والحُجرية عاشت بقلوب صناع النهار قضية.. سيعودون يوماً يكتبون لها وعنها وثيقة بلون الدم، سينقشون على الغيم نجمة تقود البحر وغيمة تعشب في البَرّ..

_"المَصلّى" بسائلة الأحكوم.. محطة للجَمال والمسافرين إليها عدن هنا يقضون عدة أيام بانتظار القافلة وفيما بعد كانت السيارة ناقلا خفف بعض المعاناة ليسهل الانتقال والسفر.. كانت قوافل تتبعها قوافل من كل حدب وصوب هاجرت الحُجرية هذه الجغرافيا القاسية، شديدة التكوين، لكنها ليست قاصية فموقعها القلب من الجسد، بين الشمال والجنوب توقد شعلة الثورة التي عاد المهاجرون ليفجرها ردفان ومن قبله كان عيبان ونقم يكتبان وثيقة التحرير لتسطع اليمن..

أنشد البردوني ليوم سبتمبر الأغر:

"أتدرين يا شمس ماذا جرى سلبنا الدجى فجره المختبي وكان النهار على مقلتيك...كالطائر الأزغبِ."

اتصل البحر بالبر وعاد الجَمال وبيده الراديو، والمذياع وصوت المرشدي العظيم يهدي إلى اليمن ذلك الصوت الهادر فينا إلى ما شاء الله..

"أنا فدى السلال حرر بلادي من الحسن والبدر.."

كان السلال المشير يخطب للشعب العظيم وهو القائد الزعيم صباح العيد الأول لعيد الثورة "إن سبتمبر بالف عام، ايها الشعب العظيم.. في النظام الملكي ينتقل الحكم عبر الجهاز التناسلي، أما في النظام الجمهوري ينتقل عبر الانتخابات، والشعب اليمني منذ فجر ثورة سبتمبر قطع الحبل السري والرحم للملكية، سيحكم الشعب اليمني نفسه بنفسه، عاشت الثورة.."

لست أدري ما على ردفان يجري؟

من بعيد شدني صوت المآذن.. كانت الساعة لا أدري؟ 

كتب الشاعر المناضل الثائر الأستاذ / محمد انعم غالب صبيحة 14/أكتوبر:

لتعلن جبال ردفان الأبية ثورة الشعب اليمني على الاستعمار البريطاني..

ليطوي اليمنيون حقبة مريرة مع الاستبداد، والطغيان..

أشرقت على أرضنا بعد طول الكفاح اليمن..

كان الشمال والجنوب شطرين لبيت من الشعر كتبها شاعري عمودي على نهج جدنا الأكبر امرؤ القيس..

"قفا نبك من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ"

كانت قصيدة قد اندلعت في الشرق سبق اليمنيون إليها فكتب ذو يزن "تاج النهار" قصيدة نثر حطمت الأوزان تدفقت كنهر "الضباب"، وربما كان الشاعر قد ارتوى من نهر "ورزان" ليعود وينثرها وقد شنفت القلوب، والعقول، والوجدان..

"على اليسار ينتظم الإيقاع قافية ونثراً وتفعيلة" 

_تعامدت الفصول، تلاقحت المواسم، والسوائل.

 وانتفت من بيننا روح الصراعِ، كما أنشد شاعر الثورة العظيم عبدالله عبدالوهاب نعمان "الفضول"

 وعادت عدن إلى كنهها تعود الطيور فغنى الزمن عند بحرها ودندن..

عدن عدن لكن لمن؟

شاعرها أحمد الجابري المولود على بحرها عدن، والقادم أبويه من جبال الحُجرية ليهبطا وادي الصَميتة أسفل هيجة العبد نهاية السلسلة الحُجرية بفتح أولها.. مرة أخرى ضُم أولها لتحصل على اسمها الحَجر الصوّان شديد البلور.. تفتقت الأحجار لتعزف على شغاف القلب انشودة التكوين والتوحيد على مَرّ الزمن، ذاعت الحُجرية كصانع لحركة وطنية امتدت كامتداد أصيل لحركة التاريخ الطبيعي، فكانت الطليعة التي حملت إرث اليمن الطبيعية، مع الإيمان بحق التنوع والاختلاف، والاعتراف بالآخر ونصرته أينما كان..

كان أبناؤها العامل والفلاح، الخباز، الطيار، المهندس، والطبيب، التاجر، والمواطن الصالح، الموظف الحكومي، المقاول والبناء، أينما وجدت قطاعات الشغل، والإنتاج، والعمل تجد أبناء الحُجرية يكدحون.. عمروا مدن الساحل الشرقي لإفريقيا.

ذهبوا مع الحضرمي سواحل آسيا، وصلوا برمنجهام ومرسيليا، يمموا لصلاة الحياة حي على الكفاح، شطر العشق، أعالي البحار، فملك منهم كانوا ودائع نقدية ببنوك العواصم العالمية، الاقتصاديات الحاضر، والخاسر ذلك المستبد برأيه وما زال يرى في الناس أنه السيد والرعية عبيد.!

لم نعد في القيصرات رعايا سخرت للاِنتفاعِ، كما غنى الفضول ومعه أيوب طارش عازف نشيد المجد والخلود...

_بين مدينتين

 ما زل بي قدمي، وما زلت عند البحر أفتش عن الآتي، عن مدينة الغد هذه التي سمعت عنها منذ وعيت الوجود..

_المخا

يوجد بها أقدم ميناء تجاري عرفته البحار تتهادى قرب مضيق باب المندب لتشطح عالي الغيم كنجمة لا تغيب حين الشفق هنا يبعث في أعماقي قصة الأشواق لصباحٍ جديد..

_المخا

تقع غرب محافظة تعز على ساحل البحر الأحمر. اشتهرت المخا لأنها كانت الميناء الرئيس لتصدير البن (القهوة) بين القرنين الخامس عشر والسابع عشر..

أعد البرتغاليون، عدة حملات، تمت السيطرة عليها مطلع القرن السادس عشر الميلادي من أجل السيطرة والتحكم في السوق التجاري للميناء وتصدير البن والبخور واللبان.

بلغت مدينة المخا أوجها الاقتصادي كمركز تجاري لليمن نهاية القرن السابع عشر الميلادي، وكان البن أهم سلعة يمنية تصدر عبرها إلى العالم الخارجي، إضافة إلى تصدير البخور والصبر والزبيب وأعواد الأرك.

بدأ ميناء المخا يفقد أهميته تدريجياًّ أواخر القرن التاسع عشر مع ازدهار ميناء عدن جنوبي اليمن الذي اهتم به البريطانيون، وميناء الحديدة غربي اليمن الذي بناه العثمانيون، آنذاك، وبسبب حربين وطأتا أرضها دمرتا القلاع، والحصون، والقصور باعتبارها منطقة ساحلية هامة: الأولى، الحرب العثمانية الإيطالية عام 1911م. والحرب الثانية، الحرب العالمية الأولى حين دمرها البريطانيون في قتالهم ضد العثمانيين عام 1915م.

يضاف إلى ذلك تراجع إنتاج البن في اليمن بسبب ظهور المنتجين الجدد في العالم مثل البرازيل، والمكسيك. 

_بين مدينتين

من التُربة إلى المخا كانت الرحلة ممتعة، وجدت المدينة تتصل ببعضها رغم كل الشائعات التي يرددها المعطوبون، الفاقدون للأمل بعودة وضاح اليمن..

عند بحرها المخا تلتقي الدنيا بعد طول غياب، عادوا يمخرون البحر، والبر وصلاً بالليل والنهار يكتبون على الأرض تحريراً يمضي قدماً إلى الأمام، لا شيء يستحق التدوين والكتابة عنه إلا ذلك الجندي المجهول الذي عمّد بدمه هذا البحر، والبر، منح وطنه روحه وأغلى ما يفدي به الإنسان وطنه.. 

حينما كنت أتجول في الأحياء العتيقة، لمحت رائحة تتدفق بخيالي، شدهتني الصورة لم يتبق من معالم المدينة القديمة سوى بقايا أساس من الحجار المطمورة التي تعتبر شواهد تاريخية لمدينة كانت لها تاريخها، وصمودها في وجه كل الغزاة الطامعين بأرضها الذَهب.. البيوت الشامخات التي ركع عندها الدهر تعود شامخة كموج الصباحات البهية، في رعشة المآذن، في سَماحة إنسانها البسيط، هذا السواحلي الذي يشبه جدي وقد عاش جمالاً من هجدة شَرق الحُجرية يسافر مع القافلة يبيع القمح، ومن سواحل الملح يعود ومعه الحلاوة، والبُن والبهار، وما جادت به سفن التجارة، والمراكب العالمية..

_بين مدينتين

ثَوىّ البحر، عاش البحار يؤمن عند جزيرة الملوك "مَيون" (بروم_ لاند) 

إشارة عبور.. تسمح ليعبر العالم بينما تضيق بنا كُل الجغرافيا..

بينما كان هناك الملح يدمر ما تبقى إلا أنه كان يعيد فينا روح الحياة

الجدير ذكره:

مع تراجع الدور الاقتصادي، والتجاري لميناء المخا في الوقت الراهن بسبب الإهمال من قبل الحكومة تحول إلى ميناء رئيس للتهريب بِكُل أنواعه، من وإلى اليمن من تهريب البشر، وتهريب الحشيش، والمخدرات، والخمور، انتهت بتهريب الأسلحة، وتهريب المواد النفطية، وهذا ما جعل المليشيا الانقلابية تنتحر عند المضيق عندما كادت البوارج الفارسية ترفع العلم الإيراني فوق مضيق "باب المندب" كانت القوات المشتركة والتي تشكلت مع طلائع المقاومة الشعبية شمالاً والجنوب..

عادت العاصمة عدن في العام الأول للانقلاب تواصل تحرير السواحل بحرها والموج، وصلت طليعة الجيش الوطني إلى كيلو ثلاثة وينتهي الانقلاب على طول الساحل الحِميري لولا تدخلات وتفاهمات تراها الدول الراعية للحرب والمنضوية على طاولة التسويات الأممية..

 _ البداية والنهاية..

سأعود ينثر عنها المدينة التي ثويت عند موجها فقد شغفني بين جنباتها هذا الحديث العاصف بالرعشة التي بعثرتني على السطور هذا الفيض الرقراق بماء المحبة وشهدي خمر تعتق بين الربابة والأشرعة تمرجح الهوى بخيال شاعري وهو المغني: "ياحُب بَحرك غَزيِر".

كما لو كنت احلم بخيط الفجر الأول، صحوت من النوم مشروغاً بعطرها والبهار، ذهبت إلى البحر فاحتضنته بصدري حبيباً ضيعته من سنين.!

وجدت أبي، وقد عاد كالفجر يبشرني برؤية البحر، قطار القضية ركبنا سوياً.. كان معي شَمَمتُ عِطره، حياً لم يَزل يغني، لم يَمُت كما قضى هناك على الساحل الشرقي "عبده سعيد".!! 

رأيت زوارق الصيد، المراكب، الأشرعة، كان الصيادون قد عادوا من رحلة الكفاح مع الأمواج العاتية، عراكاً ببحر الليل عائدين بأهازيج الصيد سعداء بما يَحمِلون من الأسماك المختلفة ألوانها، أنواعها، مذاقاتها

كُنت أرقب ثرثرة الأمواج التي لا تمل عناقات الصُخور...