الحرب تحيل الأطفال للفقر والعمل المبكر.. "جميل" قهر جبروت الحوثي ببيع البالونات

@ صنعاء، نيوزيمن، جلال محمد: متفرقات

2020-10-12 12:55:58

حُرموا من الطفولة ومن أبسط الحقوق، اللهو واللعب ومتعة الحياة، إلى القهر والفقر والموت عبثاً في جبهات القتال التي لا يعرفون لمَ أرسلهم الحوثي إليها، ولا يعلمون حقيقة تلك الشعارات الدينية التي يلوكها ليل نهار، كما لا يعرفون أنهم حطب لنار معارك لا تنتهي في سبيل تحقيق مشروع سلالي وكهنوتي يتمسك بخرافات الاصطفاء والنقاء والحق المقدس.

ولعل المشكلة الأبرز والمعاناة الأكثر تأثيرا على حياة الأطفال هي انتشار الفقر، فالأطفال يبحثون عن أي أموال تساعدهم لخدمة أسرهم التي اشتد عليها وقع الحاجة، فتوجه كثير منهم لسوق العمل، بسبب الحاجة الاقتصادية والمساعدة في رفع دخل أسرهم، بل إن بعضهم أصبح هو المتحمل للمسؤولية بعد أن توفي المُعيل أو سجن، وجراء ما أفرزته الحرب من نزوح وخراب ودمار.

جميل عايش ذو الـ 14 عاماً، نازح من محافظة حجة - مديرية حرض، واحد من آلاف الأطفال الذين تركتهم الحياة عرضة للمعاناة القاسية وحولتهم لكبار قبل أوانهم، فبمجرد أن تتوقف سيارة ما في إشارة المرور، حتى يتفحصها جميل ليعرف هل بداخلها أطفال يستطيع عرض "البالونات" التي يبيعها عليهم، فالأمل مقرون عنده بالعمل، والتعب لا يساوي شيئا إن استطاع أن يبيع ما بحوزته من بالونات وألعاب بلاستيكية في شارع حدة وبجوار حديقة السبعين. 

يمتلك جميل براءة وذكاءً حاداً يجعلك تشعر أن لا شيء مستحيل، فقط الإرادة والإيمان بما تفعله كفيلان بأن تحقق كل أحلامك، ولا تستسلم لقسوة القدر ومتاعب الحياة التي لم ينج منها أي يمني كبيراً كان أم صغيراً.

يقول جميل لنيوزيمن، إنه نزح وعائلته من حجة في 2016 بعد أن توفي والده في حادث مروري، ومنع مليشيات الحوثي لهم من الوصول لمزرعتهم التي تحولت لحقل ألغام قضى على ما كان لديهم من مواش عند دخولها لأحد أطراف المزرعة.

يتابع جميل وعينه تراقب السيارات، نزحنا إلى صنعاء وأستأجرنا غرفة وحماما وصالة في شارع الأربعين بسعوان، وتحملت أنا مسؤولية العائلة -أم وأخ وأختين- كان لدينا مبلغ مالي بعد أن بعنا ما تبقى من المواشي وطلعنا صنعاء، عملنا عربية صغيرة لأخي التوأم حتى يبقى جوار البيت، وأنا بدأت ببيع الماء في الجولة.

وأضاف بلهجته التهامية وضحكته التي لا تفارقه "ما نفعش الماء، تعب على الفاضي، بعدين قلت أبيع ألعاب وبالونات، حق الجهال لانه الجاهل لو اعجبته بيخلي ابوه أو أمه تشتري بالقوة، يعني بيع مضمون" ويطلق لضحكته العنان ليبادر بسؤالنا "كيف أنا ذكي صح"؟!

قد تشعر خلال حديثك مع جميل بأنه سعيد حقا، لكن ما إن يجلس لأخذ استراحته حتى تسمعه يدعو الله ان يعينه على ما يلاقيه من تعب، ويتحسر كثيراً لأنه ترك مدرسته وهو بالصف الخامس، رغم حبه للدراسة، ولكن الحياة وظروفها تفرض على الإنسان التخلي عن أحلامه ورغباته في كثير من الأوقات.

يتذكر جميل حياته في حرض وكيف كان والده يعتني به وأخيه وأخواته، ويحثهم على الدراسة، وكيف كانت حياتهم هانئة ومستقرة، حتى بدأت الحرب وأصبحت حرض مسرحاً للعمليات الحربية بعد أن حولتها مليشيا الحوثي إلى منطلق لمهاجمة السعودية وحقل كبير من الألغام.

يشتكي ابن حرض من برد صنعاء، وطبيعة أهلها الذين وصفهم بأنهم (ما يعرفوا إلا المضاربه ما عندهم بصر) ويقول "كل يوم أبكر هنا يبقى عقلي مشغول بأخي لا يتضارب هو والجهال حق الحارة ويبزوا عليه اللي وسط العربية، وكمان أظل مشغول بأمي والبنات لا يتعرضوا لشيء وهن يجلبن الماء من عند خزان الماء التابع لليونسيف".

يمتلك جميل من عزة النفس ما يجعله يرفض تماماً أن تعطيه ما تبقى لديه كفائض لقيمة بالونة أو لعبة ما، ويقول أنا أشتغل ما أتسول.

هكذا أحالت الحرب أطفال اليمن، كباراً قبل أوانهم، وما أقساه من وضع يعانيه أطفال أبرياء جراء الفقر والنزوح وموت المعيل، وفقدان الدار ومصدر الدخل، فتغيب عن حياتهم البسمة وينتهي الاستقرار، وتبدأ معاناة طويلة أول ضحاياها بلا شك هم الأطفال والطفولة.