تجوال عابر.. الصيف والمخا وأشياء أخرى

المخا تهامة - الثلاثاء 24 مايو 2022 الساعة 05:25 م
المخا، نيوزيمن، إسماعيل القاضي:

كنت بمفردي بحلول التاسعة والنصف صباحاً أمشي هائماً بأفكار لا تحصى... الشارع المكتظ بالمارة تدب فيه الحركة كخلية نحل بانتظام وعمل، تسير العجلة رغم هذا الحر في أيام عز الصيف الرطوبة 55 ْدرجة، والحرارة 34 ْدرجة، والضغط 77 ْ درجة حسب طقس هاتفي. 

لا أعرف كيف استند هذا الجهاز وجلب كل هذه المعلومات الدقيقة، مكتوب أيضا "المخا"، المكان الذي أمكث فيه. أمشي متصببا متكيفا مع هذا الصيف الحار، لأنني معتاد عليه فأنا ابن هذه الأرض والمكان، وجهتي خدمة لصديق اتصل عليّ قبل دقائق لأتسلم عنه كرسيا من إحدى المنظمات، وأرسله إليه في منطقته الريفية.

أطالع الشارع بعينين متطلعتين إلى مستقبل هذه المدينة المزدهرة والواعدة، قد تصبح مركزا تجاريا في قادم الأيام، العمارات والبناء والسيارات والمارة يملأون الشارع بحركة تدافعية، الكل يمضي في سبيل حاله، لا أعرف فيما يفكرون.. وأنا أردد الكلمات واعبر عن هذه المشاهد كروائي مبتدئ في القرن التاسع عشر في أحد ازقة باريس عقب الثورة الفرنسية التي اطاحت بنابليون. 

نعود إلى الشارع، النساء بمختلف الجنسيات، رحت أفكر كيف ستكون عليه هذه الإفريقية في هذا الصيف المتدثرة فوق لباسها البسة أخرى، ولكني سرعان ما تذكرت أنهنّ كلما ازدادت رطوبتهن، ازددن رائحة فواحة ومعطرة، شممت ذات صيف إفريقية من اريتريا كانت في زيارة لإحدى الحارات القريبة من سكني، كنت يومها في مقتبل العشرين من عمري، وكنا أنا وعجوز بجانبها بعد رحيل هذه الفارعة بقامتها، السمراء ذات العينين الواسعتين والعنق الممتدة، ذات روب جيبوتي اعطى لهذه الرائحة العطرية ذائقة عطرة، تقول العجوز إن الإفريقيات يضعن أعواد المسك في أجسادهنّ أو يتدهنّ بها، فيصبحنّ ذات رائحة المسك والعنبر، تفوح من أجسادهن  كلما تعرقنّ. 

وأضيف إلى معلوماتي رواية أخرى، أن الشمس هناك قوية قتلت البكتيريا في أجسادهنّ فأصبحن بلا روائح التعرق التي تسببها هذه البكتيريا.

دعونا من الإفريقية فمنذ أن شممتها قد مضى من عمري عقد كامل، وأصبحت على أبواب الثلاثين، رافقت هذا العقد العديد من المشاهد التي بسببها أصبح اليمنيون مشردين في كل أزقة العالم، آخرهم قضى قبل يومين جوعاً بإحدى الغابات القريبة من بيلاروسيا الأوروبية، هرب من الجوع ومات به، لا مفر منه.. 

إلى جانب الإفريقيات يقفنّ السوريات فهنّ وصلن قريباً إلى المخا أيضا طمعاً في استقرار منشود، بأيديهن العاملة واجسادهن النحيلة، من يتخيل ان يصبحن بهذا النحل، انظر مسلسلات سورية وستعرف فرق الحرب التي فرضها عليهم اتباع إيران، واطماع السلطة، الحرب وحدها من بدلت الحال بهنّ، عصفت الحرب بسوريا أزيد من عقد، كل ثعالب ودببة العالم تجمعت عليها، تحاورت معهنّ كيف وصلن إلينا قالت إحداهنّ إنها خرجت قبل ثمانية اشهر من بلدها بعد ان استفحل الجوع هناك، هربت إلى مصر ومن ثم إلى السودان والى الصومال وعبرن بحراّ إلى هنا قبل أيام، وهنّ اليوم يقدمن شيئا للبيع ويداً اخرى لمن يجود.. برفقة أطفال ورجال، إنها الحرب من تفرض عليك هكذا وضعا. 

في بلادنا، اشعل الحوثيون حرباً مدمرة، انقلاب المليشيات دمر مؤسسات هذا البلد، ومزق النسيج وقضى على كل جميل فيه، قطع أوصال المدن، ومزق الطرقات وفجر المعابر، وفرض طوقاً من الحصار على تعز... (دمر كل شيء)، هو العدو لليمني.

الصيف هنا مختلف، وهذه السنة في أزيد حالاته بعد تغير المناخ عبر العالم، اشفق على أصحاب المنازل المغلقة في المدينة كيف تكوى أجسادهم المكتظة بالنازحين والوافدين المقطوعة عنها الكهرباء وعجز السلطة عن تشغيلها لنقص المازوت بعد أن دعمت المقاومة الوطنية بتوجيهات قائدها عضو مجلس القيادة الرئاسي العميد طارق صالح بمولدات تنتج عشرة ميجا كانت ستكفي المدينة حاجتها من الكهرباء، لولا غياب الرؤية في الإدارة بعد أن سلمها للسلطة.