رغم تقدم السن.. نساء يكافحن الحياة بالعمل في لحج

الجنوب - Sunday 19 February 2023 الساعة 09:25 am
لحج، نيوزيمن، محيي الدين الصبيحي:

مع ساعات الفجر الأولى تبدأ علياء محمد كرد، من سكان مدينة الحوطة بمحافظة لحج، عملها الذي اعتادت عليه منذ ثلاثين عاما لإعالة نفسها، من خلال تجهيز الكدر والخمير في منزلها لبيعها في ساعات النهار في الشارع الرئيس بالحوطة لكسب المال من عرق جبينها.

اضطرت كرد للعمل رغم سنها المتقدم وإصابتها بمرض السكر والضغط للإنفاق على نفسها بعد انفصالها عن زوجها وزواج ابنتيها، رافضة الاعتماد سوى على نفسها في توفير لقمة العيش. وزاد من المعاناة سوءا عدم تسجيلها في الدعم الإغاثي المقدم من بعض المنظمات لكونها وحيدة وعدم وجود مصدر ثابت غير 13000 ريال كإعانة من الضمان الاجتماعي تتسلمه في فترات متقطعة وغير منتظمة. 

صعوبة تأمين لقمة العيش

قبل أذان الفجر تبدأ الحاجة علياء عملها من خلال إيقاد النار في تنورها الطيني بعد أن تجمع البر مع الماء مع الدخن وتتركه نصف ساعة ليختمر ثم تبدأ بعدها عملية تقطيعه إلى مجموعة قطع صغيرة وبعدما تهدأ النار قليلا تقوم بخبزه على التنور الطيني ليأخذ زمن ربع ساعة ليتم إخراجه بعدها ووضعه في أحد الكراتين، ويقوم أحد جيرانها بمساعدتها ونقله لسوق الحوطة بدراجته لتلحق مترجلة على قدميها لبيع الخبز. 

بين أربع إلى خمس ساعات يوميا تقضي علياء تحت حرارة الشمس في وسط الشارع لبيع خبزها، ويتفاوت بيعها من يوم إلى آخر بين 10000- 15000 ثم تعود إلى منزلها وقت الظهيرة لتبدأ التجهيز لليوم الثاني من خلال شراء مادة الدقيق من صاحب بقالة يتعاون معها، وما يتبقى من الكدر تفاوض من يبيع عليها الحطب لإعطائه لحيواناته مقابل مدها بالحطب. 

مهنة مرهقة وصعبة وشاقة، لكنها تقول إنها تفضل أن تأكل من عرق جبينها، خاصة وأن لديها التزامات تجاه علاج السكر والضغط الذي تحرص على شرائه شهريا دون أن تنتظر أن يمد أحد إليها يده ليساعدها.

أعمال شاقة 

على خطى قرينتها كرد تقضي علياء عبدالله في ريف لحج، ساعات نهارها في صناعة التنانير الطينية، وهي في الخمسينيات من عمرها بعد أن تضاعف الحمل عليها عقب فقدان معيلها وضعف مرتبه البالغ 25 ألف ريال، حيث يصلها عشرون ألفا بعد الخصميات وهو لا يمكنها من تلبية شراء الكيس الدقيق كأدنى المتطلبات فاضطرها الأمر للعمل في صناعة التنانير من أجل الكسب والعيش. 

تتخذ عملية صناعة التنانير الطينية مراحل عدة تبدأ من جلب الطين من الأراضي الزراعية، حيث تجلبها على ظهر الحمير ورأسها ثم يتم جمعه بالماء وبعض مخلفات البقر وعلى مدى يومين تستطيع إنجاز تنور واحد فقط لمشقته وقدم سنها، ثم يترك يوم آخر لحر الشمس قبل أن يتم طلبه أو عرضها. 

لا يحقق العمل ربحا كبيرا للحجة علياء، لكنه يسهم في تلبية بعض المتطلبات خاصة وأن إمكاناتها محدودة ولا تستطيع نقله وعرضه في الأسواق الشعبية وتعتمد على ما يتم طلبه لها من قبل الزبائن.

علياء تبيع التنور ما بين 5000- 7000 ريال، وهو مبلغ لا يتناسب مع الجهد الذي تبذله في إنجازه، لكنه خيارها الأنسب للاعتماد على ذاتها بدلا من السؤال وانتظار لفتة الآخرين.

ورغم أن الطين الذي يستخدم في صناعة التنانير لا يتم شراؤه ويسمح للنساء بجلبه من الأراضي الزراعية، لكن النقل على الرؤوس فيه مشقة وخطورة على النساء في مثل هذا السن،  ناهيك عن بدائية العمل الذي تتخذ فيه عدة مراحل. 

ارتفاع نسبة العاملات

ويوضح تقرير أجراه الجهاز المركزي للإحصاء قبل اندلاع الحرب، أن نسبة العاملات في اليمن من أصل جميع اليمنيات في سن العمل تبلغ 4. 5%، فيما بلغت نسبة بطالة المرأة 26% وهذا يفوق معدل ضعفي بطالة الرجل التي وفق ذلك الإحصاء بلغت 12%. وأظهر المسح أن معدل مشاركة المرأة في القوى العاملة 6% مقابل65% الرجل و25% الشباب.

وأدت الحرب الحوثية العبثية إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية في اليمن، الأمر الذي دفع كثيرا من النساء إلى سوق العمل في صور جديدة ومختلفة. في بعض الحالات، بدأت المرأة تعمل في مهن هيمن عليها الرجال في الماضي، وفي حالات أخرى بدأت النساء بإنشاء مشاريع جديدة من منازلهن في أغلب الأحيان، والبعض منهن لجأن إلى ممارسة أعمال بدنية شاقة متدنية الأجور استجابة للأزمة الاقتصادية أو بسبب فقدان الرجل المعيل.

ووفقاً لدراسة نشرها مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، تعتبر القوى العاملة في اليمن غير متعلمة وغير رسمية إلى حد كبير، وتتسم بمعدل مشاركة منخفض كلما تدنى مستوى تعليمها. كما تتسم فرص العمل بعدم التوافق بين مؤهلات العمال وأدوارهم، مع ارتفاع معدلات البطالة. وعلى الرغم من عدم توفر إحصائيات نهائية، تشير تقديرات ما قبل الصراع إلى أن ما بين 12.5% و25% من القوى القادرة على العمل كانت فعليا عاطلة عن العمل، مع ارتفاع هذه الأرقام بشكل كبير بين الشباب والنساء. وكانت حوالي 42.4% من القوى العاملة تعمل لحسابها الخاص أو في شركات مملوكة للعائلة.

وبحسب الدراسة: معظم القوى العاملة في اليمن من الذكور، ولا تتوفر بيانات كمية حالياً عن نسبة مشاركة المرأة في سوق العمل، حيث كانت تقديرات مشاركتها قبل الصراع متباينة؛ وتعد عملية قياس مشاركة المرأة في سوق العمل مهمة صعبة تنطوي على تحديات منهجية.

الحرب أثرت على النساء العاملات

دمر النزاع الحالي الاقتصاد اليمني، وترك ملايين اليمنيين غير قادرين على تأمين الاحتياجات الأساسية، كما أدى الانهيار الاقتصادي إلى وقوع كارثة إنسانية هي الأسوأ على مستوى العالم، بحسب التصريحات الأممية. وقد تقلص الاقتصاد اليمني بنسبة كبيرة فاقت 50%، وسط انخفاض وتوقف كلي لصادرات النفط، وانخفاض قيمة الريال اليمني، وغيرها من الأضرار الاقتصادية التي خلفتها وفرضتها الميليشيات الحوثية الإيرانية.

كما أدت الحرب الحوثية إلى تقليص فرص العمل بشكل كبير، وسط انعدام المرتبات لمعظم عمال القطاع العام وفقد حوالي 55% من العاملين في القطاع الخاص وظائفهم، في حين تم تقييد قطاعي الزراعة وصيد الأسماك بشدة، رغم أنهما القطاعان الرئيسيان للعمل في الأرياف.

ومع تواصل الحرب، أدى النزاع المطول إلى بعض الزيادات في عمالة النساء، فقد أدى القتال إلى ارتفاع كبير في عدد الأسر التي تعولها النساء؛ لفقد كثير من الرجال دخلهم بسبب النزاع، وفي بعض الحالات أصبحت المرأة هي المعيل. كما قادت الحاجة المادية عدداً متزايداً من النساء إلى بدء مشروعات جديدة، غالباً ما تكون أعمالا منزلية مثل: إنتاج الطعام في المنزل لبيعه، أو بيع الملابس والإكسسوارات عبر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي. ولقد تمكن أولئك الذين أسسوا مشاريع ناجحة من دعم أقاربهم بدخلهم، كما استلمت بعض الأرامل الشركات التي كانت مملوكة من قبل أزواجهن المتوفين.