حسين الوادعي

حسين الوادعي

تابعنى على

لا كهنوت ولا سلطة دينية في الإسلام!

الأحد 20 فبراير 2022 الساعة 05:54 م

اصطدم الإسلام مع علمانية أتاتورك وعلمانية بورقيبة وهما أصرح علمانيتين في العالم الإسلامي. 

كما اصطدم مع العلمانية الجزئية والخجولة لعبد الناصر والبعث رغم الغطاء الإسلامي الثقيل لدولتيهما.

واصطدم الإسلام مع العلمانية البريطانية والأمريكية رغم أنها تعطي مجالا واسعا للدين في الحياة العامة وتضحي ببعض مباديء العلمانية لصالح حقوق الأقليات.

كما اصطدم بالطبع بعلمانية فرنسا الصلبة الناتجة عن التجربة التاريخية المؤلمة لها مع الكاثوليكية والتي تحصر الحضور العام للدين في أضيق الحدود.

واصطدم مع علمانية الهند التعددية القائمة على علمنة الدولة وترك المجتمع متدينا وطوائفيا.

اصطدم الإسلام والمسلمون مع العلمانية الصلبة واللينة والعلمانية الديمقراطية والديكتاتورية والعلمانية.

لا يمكن لأي دين التكيف مع العلمانية دون المرور بمرحلة الإصلاح الديني، والعنوان الأبرز للإصلاح الديني هو إسقاط السلطة الدينية.

بدون ذلك سيستمر المسلمون والإسلام في تفجير ألغام عدم التكيف وعجز الاندماج أينما حلوا.

(أتحدث عن الإسلام في صيغته المطروحة اليوم كأيديولوجيا شمولية، وهي الصيغة التي تم "الإجماع" عليها نتيجة مرحلة الصحوة).

*  *   *

عندما نقارن بين السلطة الدينية في المسيحية والسلطة الدينية في الإسلام خاصة في فترة ما بعد القرن الثالث عشر (عصر الانحطاط الإسلامي وعصر النهضة الأوروبي) سنجد أن السلطة الدينية الكنسية، رغم وحشيتها الموثقة، سمحت بظهور أفكار عصر النهضة، وتسامحت مع بعث الاهتمام بالعلم والأدب اليوناني، وازدهار علم الفلك وظهور الطباعة وتطور فنون الرسم والنحت والرواية، وبروز فلاسفة كبار من حجم اراسموس وبيكون وديكارت.

بالمقابل أغلقت السلطة الدينية الإسلامية النوافذ، فكانت قد قضت على المعتزلة بعد انفتاح محدود في العصر العباسي، ثم حرمت الفلسفة، وراقبت الفن، وكان عصر ابن رشد هو آخر عصور الفكر الحر الذي بدأ يهرب بعد ذلك إلى أوروبا.

لم يكن هروب الفلسفة من عالم الإسلام إلى العالم المسيحي هروبا من التسلط إلى الحرية الكاملة بقدر ما كان هروبا من سلطة دينية شمولية كلية التوحش إلى سلطة دينية أقل شمولية مقارنة بها.

لقد مات ابن رشد تحت سيطرة الكهنوت الإسلامي، لكنه سافر وازدهرت فلسفته تحت الكهنوت المسيحي. 

استمرت محاكم التفتيش المسيحية قرنين من الزمن وانتهت، لكن محاكم التفتيش الإسلامية لم تتوقف منذ إعدام المعارضين في العصر الأموي، إلى "ديوان الزنادقة" في العصر العباسي، وحتى موجات تكفير واغتيال المثقفين ومحاكمتهم بتهمة الارتداد والازدراء في العصر الحديث.

أسقط الغرب ما تبقى من سلطة دينية للمسيحية، ولا زلنا نردد خرافة: لا كهنوت ولا سلطة دينية في الإسلام!

*جمعه "نيوزيمن" من منشورات للكاتب على صفحته في الفيسبوك