د. صادق القاضي

د. صادق القاضي

تابعنى على

في اليمن: شعب.. أم شعبيات؟!

الخميس 30 يونيو 2022 الساعة 10:03 ص

ربما لا توجد مفردة سياسية أكثر شيوعاً ودوراناً على الألسن والكتابات في اليمن، من مفردة "الشعب". الحاضرة بقوة وبكثافة في مختلف الخطابات والتصريحات والأحاديث والنقاشات، ومن قبل مختلف الأطراف السياسية في السلطة والمعارضة والمستقلين..

يتمسح بها الجميع، من أصغر معارض إلى رئيس الجمهورية الذي لا يمكن أن تخلو خطاباته من عبارات مثل: باسم الشعب، وشعبي العزيز، والشعب العظيم..

ويزايد بها الجميع، من أكبر حاكم إلى أصغر ثائر، ولا مجال لنسيان رفع الثوار في 2011 لشعار: "الشعب يريد إسقاط النظام".

وهي "الشعب" المفردة السحرية الأثيرة في لغة الكتاب والمثقفين، والموالين والمعارضين، المتعلمين والأميين، النخب والعوام، الشرطة واللصوص، ورجال الدولة ورجال العصابات، والعسكر والميليشيات.. والمدن والقبائل، وتقال للمدح أو للذم وفي كل مناسبة.!

السؤال هنا: هل هناك شيء اسمه "شعب" في  هذه المنطقة من العالم؟!

لو وجهنا هذا السؤال لرجل من السويد أو من المريخ، وأعطيناه مهلة وفرصة لدراسة الحالة اليمنية فسيلاحظ، قبل أي شيء آخر، أن هناك في اليمن:

- مجاميع ملتفة حول رجال السياسة.

- وطوائف منقادة لرجال الدين.

- ورعية تابعة لمشايخ القبائل.

- وميليشيات مملوكة لأمراء الحرب.

- وقطعاناً مصطفة على شكل أحزاب. 

- وحشوداً تحتشد خلف من هب ودب.

- وجوقات تهتف مع الشيء وضده.!

- وأغلبية هامشية بلا صوت ولا حول ولا قوة.!

سيشعر بالإحباط لا شك، من هذا الواقع، ثم يلجأ للتحري في الواقع الرقمي الافتراضي لمواقع التواصل الاجتماعي، وسيجد للخيبة أنها مرآة حقيقية للواقع المادي: شظايا لما كان يوماً شعباً واحداً، ومراكز قوى وريثة لما كانت دولة. ومن خلفها أسراب من الذباب الإلكتروني.!

وكلها تقدم المصلحة الخاصة أو الفئوية على المصالح العامة، وتتحدث عن "الشعب".!

سيندهش لا شك من هذه الحالة الشعبية العجيبة، وستكون إجابته أن اليمن فيها شعبيات، لكن ليس فيها شعب، بالمفهوم الحديث لمصطلح "الشعب".

يقال إن الكلمة التي تتكرر بكثرة في لغة أي مجتمع تدل على وجود مشكلة بشأنها في هذا المجتمع.

ولدينا في اليمن مشكلة كبيرة على جانب "الشعب"، لا يمكن تسمية هذه المجاميع والجماعات المتشرذمة المتناحرة شعباً.!

"الشعب" مفهوم سياسي واجتماعي، حديث، ظهر مع الدولة الوطنية القومية الحديثة، ويعني مجموعة متجانسة من الناس، يشتركون في أشياء كثيرة أهمها على الإطلاق: الوحدة السياسية. ككيان سياسي واحد في ظل دولة واحدة.

قبل الثورة الأخيرة "المباركة" كان هذا المفهوم واضحاً في اليمن، والسبب هو وجود دولة معقولة مقبولة ولو بالحد الأدنى، وكانت تجمع بين اليمنيين باعتبارهم كياناً واحداً، بمختلف تشيؤاتهم. وهكذا يظهرون كشعب.

 لا يمكن أصلاً للشعب أن يكون له كيان أو كينونة إلا في ظل دولة واحدة.

في أي دولة حديثة سوية في العالم. عندما نتحدث عن التركيبة السكانية، نتحدث بـ"الجمع": أحزاب وشرائح وطبقات وفئات وجماعات ومناطق.. مختلفة.. وربما لغات وأديان وطوائف متعددة.. 

لكن، عندما نتحدث عن "الشعب" نتحدث عن "مفرد": هناك شعب واحد فقط في الدولة الواحدة، لا يوجد أكثر من شعب واحد في دولة واحدة، إلا في الحالات غير الطبيعية القائمة على الضم والإلحاق، والحالات الامبراطورية البائدة.