د. صادق القاضي

د. صادق القاضي

تابعنى على

محو "الهويات" من خلال محو الأسماء.!

الثلاثاء 04 أكتوبر 2022 الساعة 10:57 ص

في ديوانه الشعري "الآن"، ومن ضمن أشياء كثيرة مدهشة، قدم الشاعر والأديب اليمني الكبير "مبارك سالمين" هذه الومضة الشعرية الكاشفة:

كان اسم البقالة "ماريا"..

 لكن "صراخ المرأة عورة".

 فامسح "فاطمة" الآنَ.. وسجّلْ

 اسم البقالة "عبد المتوكّلْ"! 

اسم البقالة عبد المتوكّلْ!.

بهذه الطريقة الشعرية بالغة التكثيف والتوهج بالدلالة، عبر الشاعر، وهو الأديب والمثقف الكبير، عن كارثة الأدلجة والأسلمة التي تنتهجها الأنظمة والتنظيمات الشمولية، في مسخ ملامح الحياة، وطمس ملامح الثقافات الأصلية الأصيلة للمجتمعات، واستبدال الهويات والرموز الوطنية الجامعة للشعوب، بهوياتها ورموزها الفئوية الضيقة.

من الطبيعي بالنسبة لأي نظام أو تنظيم أيديولوجي وصل إلى السلطة في غفلة من الدهر، أن يقوم بأدلجة الوعي والثقافة والحياة، بل تبدأ العملية قبل وصول هذا التنظيم إلى السلطة، ويقتضي هذا بالضرورة تغيير المضامين الإعلامية والثقافية، وبالذات ما يتعلق بالمضامين والمقررات والمناهج التعليمية والتربوية.

تغيير أسماء المعالم والشوارع والمساجد والمدارس.. هو رأس جبل الجليد الظاهر من هذه العملية التي تجري بلا هوادة في العمق وعلى كل الجوانب والمستويات، ولأهمية التعليم في صناعة الوعي العام. من الطبيعي أن تبدأ هذه الأنظمة والتنظيمات من مؤسسات التربية والتعليم، لتأبيد نفسها من خلاله، وعرضيا من خلال تغيير أسماء المدارس والمؤسسات التعليمية. 

لم يتحدث "مبارك سالمين" عن هذه الظاهرة من فراغ، بل عن خبرة ومعايشة، من خلال تجربة الجنوب على الأقل. قبل استقلال الجنوب عن الاستعمار، كانت بعض المدارس تحمل أسماء بريطانية، وكانت المدارس الأهلية، -كما قال حسين الوادعي في مقال جميل بهذا الخصوص- تحمل أسماء عامة تدل على "مرحلة النهضة والتغيير" مثل: (مدرسة النهضة، كلية بلقيس، المعهد التجاري، مدرسة الاخوة)، أو كانت تسمى بأسماء دينية عامة مثل: (معهد الفلاح)، أو بأسماء مؤسسيها (معهد البيحاني، مدرسة بازرعة).

بعد استقلال اليمن شمالا وجنوبا، على أيدي اليسار. هنا أو هناك، بدأت المدارس تتخذ أسماء معبرة عن التوجه والفكر الثوري للنظامين، مثل: (مدرسة الشعب، مدرسة الثورة، مدرسة الطليعة، مدرسة جمال) أو تسميتها بأسماء قادة وشهداء الثورة.

مع سبعينيات القرن الماضي، وفي غضون الحرب العالمية الباردة التي استأنست الجماعات الإسلامية السنية في مشاريعها الدولية، بدأ تمكين الجماعات الإسلامية في كثير من البلدان العربية، وبدأ المد الإسلامي بالتغول، وبدأت أسلمة الحياة تمضي بشمولية جارفة، في شمال اليمن. 

كانت جماعة الإخوان هي صاحبة المبادرة في هذه المرحلة، في شمال اليمن. وفي السياق "بدأت المدارس تحمل أسماء كبار رموز الصحابة عند السنة (ابو بكر، عمر، معاذ بن جبل، عمار بن ياسر، خالد بن الوليد) أو أسماء كبار رموز المفكرين المناهضين للتدين الزيدي التقليدي: (معهد الشوكاني، مدرسة ابن الأمير الصنعاني، المقبلي، الجلال... الخ).

في الوقت نفسه كان الحزب الاشتراكي في جنوب اليمن قد سمى المدارس والشوارع والمعالم والمعسكرات هناك، بأسماء رموزه وأهم المناسبات الوطنية للجنوب، من مثل" "فتاح و"باذيب" و"أكتوبر"... وغيرها. 

بعد الوحدة، وإثر نكبة 94. قامت "جماعة الإخوان"، المتحالفة مع النظام، بتغيير هذه الأسماء اليسارية والوطنية بأسماء مثل "حفصة" و"عائشة".

ولأن مؤسسي الجماعة الحوثية، خرجوا من تحت معطف الإخوان، اتبع الحوثيون سنن من قبلهم "شبرا بشبر، وذراعا بذراع، حذو القذة بالقذة"، ومن ضمن توجهات وسلوكيات كثيرة أخذوها عن الإخوان.. دخلوا جحر الضب هذا، وقاموا بتغيير أسماء المدارس من مثل: "حفصة" و"عائشة" إلى مثل: "الزهراء" و"فاطمة".!

وللأمانة تجاوز الحوثيون أسلافهم في هذا الشأن. منذ بداية انقلابها على الدولة 2014. قامت هذه الجماعة بتغيير أسماء مئات المدارس في مختلف مناطق سيطرتها، فضلا عن تغيير مضامين المناهج التعليمية. 

لم يبنِ ‎الحوثيون مدرسة واحدة جديدة على امتداد مناطق سيطرتهم كلها، فقط يقومون بتغيير أسماء المدارس القديمة إلى أسماء رموز حوثية إمامية، المدارس التي كانت تحمل أسماء مثل الفاروق والزبيري، تم تغيير أسمائها بأسماء مثل: أبو تراب والأشتر!

كان في صنعاء والشمال عموما مدارس بأسماء شهداء الثورة اليمنية في صراعها الطويل مع الإمامة، وغيرهم من الرموز الجمهورية مثل: علي عبد المغني وجمال جميل والثلايا واللقية والعلفي، غير الحوثيون أسماءها بأسماء قتلاهم مثل: "صالح الصماد" و"طه المداني" و"حسن الملصي".!

المدارس التي كانت تحمل أسماء رموز إسلامية تراثية. مثل: خالد بن الوليد وعثمان بن عفان.. غيرها الحوثيون بأسماء رموزهم التراثية مثل: الإمام زيد وزينب بنت علي والإمام الحسن.!

تم تغيير اسم مدرسة خولة بنت الازور باسم مدرسة فاطمة، ومدرسة الثورة باسم "فاطمة الزهراء"، وتسمية "مجمع الصالح الثانوي للبنين، بـ"مجمع الشهداء. وتسمية "نشوان بن سعيد الحميري" لتصبح مدرسة الإمام الحسين.!

والهدف والتوجه مكشوفان من قبل ومن بعد: يريدون محو كل ما له علاقة بالإسلام العام أو الإسلام السني. أو الإسلامات الأخرى المتعايشة في اليمن، وقيم الجمهورية وقيم الشعب والهويات الوطنية.. ابتداءً من تغيير اسماء هذه المؤسسات التعليمية. والأخطر من خلال تغيير وأدلجة مضامين الكتب والمناهج التعليمية.