محمد عبدالرحمن

محمد عبدالرحمن

تنهيدة صنعانية بلا مأوى

الثلاثاء 11 أكتوبر 2022 الساعة 10:33 ص

الطواف في صنعاء المثيرة للحزن يغلق باب الأفق الكبير في وجه الحياة، طواف يفتح الشهية للحزن والرثاء العميق المعمد بماء الموت وثقافته المستوردة في سجاجيد طهرانية سوداء، طواف يخلق في الروح تنهيدة تخرج بحسرة وألم، تبحث عن مستقر لها ومأوىً يحميها من سكون الظلام وظلم السكوت، طواف يذيب الذاكرة من فرط التذكار، وينخر في القلب وجعاً من شدة الحنين، طواف يبحث عن الذات اليمنية، والهوى الصنعاني، والسلام المجتمعي، والألوان المختلفة التي أقامت صنعاء كرمزٍ للجسد اليمني الواحد، طواف أخمد في جوارحي كل أمل ادخرته منذ أن وعيت ذاتي بأن أصبح ما أريد.

أعترف أن لي تنهيدة تائهة في أزقة صنعاء، تحمل أوجاعها، وتستبقيني تحت "خرقة" خضراء دلالتها عبودية لمن ينادي ادعاءً بحب النبي محمد، لونها فاقع ودافعها ساطع، ورمزيتها سلالية لا حرية، ولا كرامة ولا مبادئ نادى بها النبي محمد، تركتني وحيداً أعاني من اخضرار عينيّ، بلون واحد، على عكس ما كانت تراه من ألوان مختلفة زاهية بالتنوع، لون أًجبرت أن لا أرى غيره، وأُرغمت على أن أسلم عليه بكرة وأصيلاً، لون رفضته تنهيدتي وخرجت بدوني لأنها حرة من كل قيد أوهن جسدي.

بقيت وحيداً مع وجعي، وحيداً مع صنعاء، ندوبها كثيرة، جرارها مليئة بأحزانها، وبيوتها متخمة بالجوع والفقر، وناسها مثقلة بضربات الإخضاع وهموم التحرر، هواؤها مزيف، وأسمالها مهترئة، بقيت وحيداً مع زيفي واصطناع الثقة، وحيداً مع جداريات ملطخة بعار الشعارات الخمينية، ورسائل العشق الإيراني، وحيداً مع اسمي قبل أن أنساه في زحمة الأسماء المستوردة والمعلقة في شوارع لم ندر هل في صنعاء أم ضاحية بيروت أو طهران، بقيت وحيداً أتحسس ملامحي وأخاف أن أنسى من أكون في كومة الهوية الجديدة القاتلة.

الإمامة عادت وداهمنا ظلامها سريعاً قبل أن نفتح أعيينا وتفقه بصائرنا خطورة العودة، صنعاء عادت أيضاً كما كانت في زمن السيف وقوة الخرافة، وعدتُ أيضاً كما لو كنت قابعاً في سرداب طيلة أيام التحرر من ربقة الاستعباد، زمن كانت فيه الدماء غزيرة تروي كل جهود وأد الإمامة واستحالة عودتها، لكن الولادة التي جئت منها أبقتني على ذمة الجمهورية، فكرة للتعايش والسلام، وفكرة للحرية والمساواة، وها أنا الآن في كنف الصمت الموجع والخطر الداهم طوافاً على صنعاء الإمامة، بلا روح ولا تنهيدة تؤنس هذه الوحدة المخيفة وتخفف من ضجيج الصمت الدامي في كياني، كواحد من صنعاء يشارك أبناءها كل هذه الضجيج والألم.

صنعاء بحد ذاتها تنهيدة تائهة، ووجع يسكنها، ومقبرة كبيرة، وحيدة في مواجهة الإمامة وإن ادعى الإمام أنها صارت إمامية، وحيدة في مواجهة عمائم الموت الإيرانية، وإن ادعت طهران بأنها عاصمة رابعة لها، وحيدة في مواجهة اللون الواحد وإن ادعى "الأخضر" أنه صار ابناً وحيداً لها، وحيدة في مواجهة الهوية القاتلة، وإن ادعى مجرم أنها قد اعتنقت هويته رغبة لا رهبة.

مشردة تنهيدتي بين العذابات والتأنيب، كما صنعاء مشردة بين الفقر والجوع ومحاولات التركيع، مثخن جسدي بالجراح، كما صنعاء مثخنة بالغرباء الوحوش، بين صنعاء وتنهيدتي مسافة صفرية، نبحث عن مأوى وعن الخلاص من أجل الحياة، من أجل تحقيق الرغبة الإلهية في العيش بسلام في أرض الله، من أجل تحقيق هدف الله بأن نكون جميعاً أبناءه وأحباءه، كلنا في كنفه متساوون وعلى أرضه أيضاً.

تنهيدة صنعانية تائهة في صنعاء بلا مأوى، وجع وألم وكأن الشكوى فقط أن يذكر المرء أنه يعيش في صنعاء وأخواتها.