اتصل بنا مساء أمس من سجن استخبارات الشرطة الولد السجين منذ خمسة أشهر، عبدالسلام عارف، وأكد لنا أنهم أبلغوه أنهم سيحيلونه صباح اليوم مع ملفه إلى نيابة شمال الأمانة، وعلى أساس أنه سيفرج عنه من النيابة اليوم!
استغربت وقلت له: عجيب! تأكد، كيف سيحيلوك إلى نيابة الشمال؟ ما هو معيار الاختصاص؟
فسمعت المختص الذي بجانبه يقول له: "شمال… شمال". فبكّر والده وعمه من اليِلاد، والولد محمد، مع محاميته وثلاثة محامين آخرين إلى نيابة الشمال، فلم يجدوا شيئًا. بعدها علموا أنه تم تسليمه مع الملف إلى نيابة همدان. هرولوا إلى نيابة همدان الابتدائية، فوجدوه في سجن النيابة، لكن نيابة همدان رفضت استلام الملف بمبرر أنه متهم بقضايا هي من صميم اختصاص نيابة الصحافة والمطبوعات.
وأبقوه إلى الظهيرة في سجن نيابة همدان، ثم أتت استخبارات الشرطة وأخذوه مع الملف.
التقى عبدالسلام بمحاميه، وأخبرهم أن التركيز عليه بسبب نزلته معي إلى عدن في عيد الأضحى الماضي. تصفح المحامون على عجل ملف قضيته، فوجدوا تهمًا مضحكة مبكية.
من ضمنها أنه تواصل مع طارق عفاش يطلب منه أن يمنحه منحة دراسية إلى روسيا!!
وتهم "التحريض على السلم الأهلي"!!
و"نشر أخبار كاذبة تكدر السلم والأمن"!!
والمهم: خمسة أشهر اختطاف بدون مسوغ قانوني، بتهم مخيطة بصميل، كلها متعلقة بحرية الرأي والتعبير المكفولة كحق دستوري أصيل!
ولا يجوز فيها السجن أصلًا!
لو كنتم تفقهون، فإن تلك التهم من اختصاص نيابة ومحكمة الصحافة والنشر. ولو كنتم دولة قانون،تحترم حقوق وحريات مواطنيها ، لكان الأحرى بكم أن تتقدموا عبر جهة الاختصاص ببلاغ أو شكوى إلى نيابة الصحافة والنشر ،وهي بدورها تستدعي عبدالسلام، وتسمع أقواله، وتحقق معه، وإذا وجدت أن ما نشره يشكل جريمة يعاقب عليها القانون وترجح اتهامه، تقوم برفع ملفه وقضيته بعد إصدار صحيفة اتهام، وتحيله إلى محكمة الصحافة والنشر، وتطلب محاكمته والحكم عليه بالعقوبة المقررة شرعًا وقانونًا.
ومحكمة الصحافة لا تسجن في قضية رأي وتعبير كفلها الدستور والقانون، بل تكفل محاكمة عادلة، وإذا ثبت لديها أنه ارتكب جريمة نشر مخالفة للشرع والقانون، وكونه شابًا صغيرًا عمره عشرون سنة، ولم يسبق أن قارف أي جرم، وهو في مقتبل العمر، ربما تحكم عليه بشهر سجن مع وقف التنفيذ.
ولو كان عبدالسلام في وطن سوي تحكمه دولة مواطنة متساوية، لكان يدرس في مدرجات الجامعة، أو يُبتعث للدراسة على نفقة الدولة إلى الخارج أسوة ببقية أبناء الذوات، لا أن يُزجّ به في غياهب سجون المخابرات خمسة أشهر، ثم يُحال إلى النيابة بتهم رأي لا تتجاوز سلطتكم في حبسه فيها ٢٤ ساعة وفقًا للشرع والقانون.
ولكنه، لسوء حظه، شاب وُلد وترعرع في حقبة الفوضى والضياع والتيه، فوجد نفسه في زنازين المخابرات بدلًا من قاعات المحاضرات ومدرجات الجامعات.
المهم: كنا نأمل أنهم سيفوا بوعدهم ويفرجوا عن ابننا عبدالسلام، ولا يصوم أول أيام رمضان إلا وسط أسرته في همدان، بعد خمسة أشهر سجن إداري تمت فيه مصادرة كل حقوقه الدستورية والقانونية. تأتي ليلة رمضان فتحيلونه إلى النيابة بقضايا رأي!
فما كان من نيابة همدان إلا أن رفضت استلام الملف، لأن التهم كلها رأي وتعبير من اختصاص نيابة الصحافة.
أنتم الدولة والقضاء والقاضي والحاكمون المطلقون. كان يفترض أنكم قد أفرجتم عنه كما بقية المئات الذين اعتقلتموهم معه على ذمة ثورة ٢٦ سبتمبر، وأفرجتم عنهم جميعًا قبل عدة أشهر، وآخرهم قبل شهر.
يُذكر أنه سبق وأن وُجه بالإفراج عنه من قبل الشيخ علي ناصر قرشة، رئيس لجنة السجون، بتاريخ ٤ فبراير الجاري، فماطلوا ولم ينفذوا التوجيه. ثم أصدر محافظ صنعاء عبدالباسط الهادي الأسبوع الماضي توجيهًا بالإفراج عنه، فهدأنا وتوقفنا عن الكتابة والنشر ،وكنا نأمل أن يُفرج عنه السبت الماضي، فتمت المماطلة إلى اليوم، وغدًا هو أول أيام رمضان!
وكان عبدالسلام عارف قطران قد أعلن إضرابه عن الطعام قبل عشرة أيام، إلا أنه تراجع عن الإضراب بعد يومين، بعد أن نزل إلى زنزانته أبو فاطمة، وتعامل معه بلطف ودماثة أخلاق ورقي، وحكّمه ببندقه في موقف قبلي رجولي يحسب له ، وطلب منه رفع الإضراب عن الطعام، ووعده بالإفراج عنه قبل رمضان.
كما أن الدكتور أحمد مطهر الشامي، وكيل وزارة الإعلام بصنعاء، قطع وعد رجال لوالد عبدالسلام، الشيخ عارف قطران، عندما اتصل به قبل أسبوع، بأنه سيفرج عن ابنه ولن يصوم رمضان إلا في البيت.
فها هو رمضان غدًا… ولم يصح من ذلك شيء. تبخرت كل الوعود!!
ورجعنا ندور على النيابات… فيا سبحان الله عليكم!
فلماذا اللف والدوران والتدوير على النيابات؟ رمضان شهر كريم صيام وعبادة ماهوش حق هدار وداوية ولبيج بالنيابات . لو كنتم دولة قانون تحترم الدستور والقانون والقضاء، لما قيّدتم حرية الرجل خمسة أشهر، ثم ليلة رمضان تذكرتم أن لديكم نيابات ومحاكم وقضاء، وقمتم تكحلوها فعميتوها!
لم تكونوا لتحتاجوا إلى شرعنة اعتقالاتكم التعسفية بااحالته للنيابة العامة ،ولا إحالات للقضاء لو كنتم لجأتم إليها ابتداءً قبل اختطاف عبدالسلام ووالده، ولقمتم بإحالة ملفه بعد ٢٤ ساعة، لا بعد خمسة أشهر من السجن والتنكيل، لتحيلوا ملفه ليلة رمضان!
أفرجوا عنه رمضان يكفي ظلم وقهر وغطرسة. يكفي سجن خمسة أشهر لمواطن يافع في مطلع العشرينات، لا لشيء إلا لتشبعوا رغبتكم في إذلال الناس والتنكيل بهم وصناعة الخوف في نفوسهم.
القاضي عبدالوهاب قطران
الثلاثاء ١٧ فبراير ٢٠٢٦م
من صفحة الكاتب على الفيسبوك
>
