بقدر ما انتقدنا الهياكل الهشة داخل المجلس الانتقالي، وبقدر ما كتبنا عن المحسوبية، وعن الترهل، وعن تلك الدوائر التي ظنت أن المشروع فرصة للتكسب والربح لا قضية شعب… فإن اللحظة اليوم تفرض كلمة أخرى، كلمة لا علاقة لها بالمجاملة، بل بالعدل.
نحن لم نكن يوماً في معسكر الهدم.
انتقدنا لأننا نريد مشروعاً صلباً لا واجهة ضعيفة.
حذّرنا لأننا رأينا كيف يمكن أن تتحول الفكرة الكبيرة إلى إدارة صغيرة.
لكن ما جرى في الأيام الماضية كان لحظة فرز حقيقية.
المرحلة لم تُسقط الجميع، بل كشفت الجميع.
هناك من غادر عند أول اهتزاز،
وهناك من صمت انتظاراً للغلبة،
وهناك من بقي واقفاً… بلا حسابات.
في المحافظات، وفي العاصمة عدن، حيث الوقفات أمام المقرات المغلقة وحيث الاحتجاجات التي لا تعبأ بالرصاص والاعتقالات، لم تكن بحثاً عن صورة ولا رغبة في تسجيل موقف إعلامي، بل كانت رسالة صامتة تقول: نحن هنا لأننا نؤمن، لا لأننا مستفيدون.
إذا كان هناك ما يجب أن يُستوعَب اليوم إلى جانب الثابتين الصامدين، فليس الأسماء التي استهلكتها التجربة، بل الشرفاء الذين أفرزتهم المحنة.
الذين أثبتوا أن الفكرة يمكن أن تعيش خارج المكاتب.
أن القناعة لا تُقاس بالقرب من القرار، بل بالثبات ساعة الارتباك.
خصوم المجلس يريدون رواية واحدة: تجربة سوداء كاملة.
وبعض من كانوا بالأمس جزءاً من المجلس يريدون اليوم غسل أيديهم بالكامل والقفز من مركب يظنونه غارقًا بعد سنوات من ملء شباكهم بما لذ وطاب من الخيرات.
الحقيقة ليست هنا ولا هناك.
الحقيقة أن في كل تجربة أخطاء، نعم،
لكن أيضاً فيها رجال ونساء خرجوا أنقى مما دخلوا، وأصلب مما كانوا.
المرحلة لم تكن انهياراً… كانت غربلة.
ومن بَقِي بعد الغربلة هو الرصيد الحقيقي.
أما البقية، فكانوا ضجيجاً… وانتهى.
من صفحة الكاتب على الفيسبوك
>
