مطيع سعيد المخلافي
إيران تتجرع من الكأس الذي سقت به المنطقة
لم يكن ما تشهده إيران اليوم من اضطرابات واستهداف لمنشآتها ومقدراتها وليد الصدفة أو حدثاً عابراً في سياق الصراعات الدولية، بل هو نتيجة طبيعية لسياسات طويلة من التدخلات التخريبية التي انتهجها النظام الإيراني في المنطقة العربية على مدى عقود. فالدول التي جعلت من الفوضى والحروب وسيلة لتحقيق أطماعها التوسعية، لا بد أن يأتي يوم تجد فيه نفسها تدفع ثمن تلك السياسات.
لقد لعبت إيران دوراً مباشراً وغير مباشر في إشعال العديد من بؤر الصراع في العالم العربي. فمنذ سنوات طويلة تآمرت على العراق وأسهمت في تمزيق نسيجه الاجتماعي وإغراقه في دوامة من الفوضى والصراعات. كما ساهمت سياساتها ومغامراتها العسكرية في تعقيد الأوضاع في قطاع غزة، وألقت بظلالها الثقيلة على معاناة سكانه.
ولم يتوقف الدور الإيراني عند هذا الحد، بل امتد عبر أذرع طائفية أنشأتها ودعمتها في أكثر من بلد عربي، حيث تحولت سوريا ولبنان واليمن إلى ساحات صراع مفتوحة نتيجة التدخلات الإيرانية المباشرة وغير المباشرة. فقد غذّت هذه الأذرع الحروب الداخلية، وأشعلت النزاعات، وتسببت في تدمير البنى التحتية والمنشآت الحيوية، وسقوط مئات الآلاف من الضحايا، وتشريد الملايين من المدنيين، وتحويل تلك الدول إلى ميادين صراع تخدم أجندة طهران التوسعية.
واليوم لم تعد أطماع النظام الإيراني تقف عند حدود تلك الدول المنهكة، بل امتدت إلى استهداف أمن واستقرار دول الخليج العربي والأردن، من خلال الصواريخ والطائرات المسيّرة والتهديدات المستمرة التي تستهدف زعزعة الأمن والاستقرار وتقويض التنمية الاقتصادية التي حققتها هذه الدول خلال العقود الماضية.
غير أن عجلة التاريخ لا تتوقف، فكما دفعت شعوب عربية ثمناً باهظاً نتيجة السياسات الإيرانية، فإن إيران نفسها بدأت تواجه تداعيات تلك السياسات. فالتصعيد العسكري الذي تتعرض له منشآتها ومقدراتها، والضربات التي تطال بنيتها العسكرية، يعكس تحولات كبيرة في موازين الصراع، ويضع النظام الإيراني أمام واقع جديد لم يألفه من قبل.
إن ما يحدث اليوم يمثل رسالة واضحة بأن سياسات التوسع وزرع الفوضى لا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية، وأن المنطقة لن تنعم بالأمن والاستقرار ما دامت مشاريع الهيمنة والصراعات بالوكالة قائمة. فاستقرار المنطقة يبدأ باحترام سيادة الدول والكف عن التدخل في شؤونها الداخلية.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن الخطر الذي تمثله إيران وأذرعها المسلحة لا يهدد دولة بعينها، بل يهدد الأمن الإقليمي بأكمله. ولهذا فإن مواجهة هذا الخطر لم تعد مسؤولية دولة أو محور بعينه، بل أصبحت مسؤولية إقليمية ودولية مشتركة لحماية الأمن والاستقرار في المنطقة.
وفي ظل هذه التحولات المتسارعة، تبدو المنطقة أمام لحظة مفصلية قد تعيد رسم ملامح المرحلة القادمة. فإما أن تنتهي سياسات الفوضى والتدخلات التي أنهكت الشعوب، أو يستمر مسلسل الصراعات الذي لم يجلب سوى الدمار والخراب.
ويبقى الأمل معقوداً على أن تكون دروس الماضي القريب كافية لفتح صفحة جديدة عنوانها احترام سيادة الدول، وبناء علاقات تقوم على التعاون والاستقرار، بعيداً عن المشاريع التوسعية التي لم تجلب للمنطقة سوى الألم والمعاناة.
>
