مختار الدبابي
الخليج بعد الحرب: من مجاراة إيران إلى استدعاء أوراق الضغط
لم تكن الحرب الأخيرة مجرد مواجهة عابرة في حسابات دول الخليج، بل لحظة كاشفة أعادت صياغة التقييمات الإستراتيجية داخل المنظومة الخليجية. فقد وضعت الهجمات الإيرانية الأمن الإقليمي أمام اختبار غير مسبوق، ليس فقط من حيث القدرة الدفاعية، بل من زاوية فهم طبيعة التهديد الإيراني وحدوده وأدوات التعامل معه.
لم تخرج دول الخليج من الحرب بالتقييمات نفسها. فهناك تياران: أحدهما يدفع نحو الاستثمار الأقصى لما بعد العدوان الإيراني لفرض واقع جديد على طهران، وثانٍ لا يزال في مرحلة استيعاب الصدمة ولم يحسم بعد ما إذا كان عليه الدفع نحو موقف حاسم من إيران، أو الاستمرار في الحوار معها مع تمرير رسائل تحذيرية. لكن النتيجة الأهم أن العدوان أنهى كليا مرحلة مجاراة إيران لتجنب الصدام معها.
تقود الإمارات تيار استثمار نتائج الحرب، وخاصة النجاحات الدفاعية في مواجهة العدوان الإيراني، من أجل التأسيس لعلاقة تقوم على الندية، وتقطع مع فكرة أن إيران بلد جار قوي يجب مجاراته وتحمل تجاوزاته. فقد أثبتت الحرب أن إستراتيجية المسالمة و”المشي جنب الحيط” أوهمت النظام الإيراني بأن الجيران الخليجيين في موقف ضعف، وأنه يمكنه في أي وقت استهدافهم للتنفيس عن عجزه.
وكان واضحًا أن الخطاب الإماراتي خلال العدوان وما بعده كان الأكثر وضوحًا في انتقاد الهجمات الإيرانية، ما أعطى أبوظبي موقفا متقدما في المشهد الخليجي، عكسته تحركاتها الدبلوماسية.
تجنب الخليجيون الرد المباشر على العدوان الإيراني لإفشال ذرائعه، وخاصة سعي طهران إلى التلبيس المستمر عبر تصوير الدول الخليجية على أنها قواعد متقدمة للحرب الأميركية ـ الإسرائيلية ضدها، وأن استهدافها يدخل في إطار الدفاع عن النفس. غير أن الوقائع أثبتت أن قصف إيران لدول الخليج كان عملية انتقام معدّة مسبقًا لاستهداف النجاحات الخليجية متعددة الأوجه، وأن القواعد الأميركية لم تكن أكثر من واجهة للتضليل.
توجد عقدة نقص إيرانية إزاء التطور الخليجي بوجوهه المختلفة، العلمية والبيئية والإنسانية، وخاصة على مستوى جودة العيش. وهو وضع يجعل الشعب الإيراني في حالة مقارنة مستمرة: لماذا يتقدم الخليجيون ونتأخر نحن، مع أن إيران بلد كبير ولديه النفط؟ ثمة شيء ما خاطئ. لكن هذه المقارنة تنتهي عادة إلى نتيجة واضحة مفادها أن الخليجيين نجحوا لأنهم يستثمرون في خدمة مواطنيهم، فيما فشل الإيرانيون لأن عائدات النفط تذهب إلى السلاح والإنفاق على الميليشيات.
والالتجاء إلى هذه المقارنة سيظل وقودًا دائمًا للاحتجاجات في الشارع الإيراني، بما يهدد بقاء النظام. ولهذا كان الهدف من العدوان إعادة الخليجيين إلى الوراء حتى يكف الإيرانيون البسطاء عن المقارنة وعن الأمل في حذو طريق جيرانهم.
تتركز إستراتيجية دول الخليج في المرحلة الحالية على مستويين. الأول تقوية الصف الخليجي والدفع نحو رد مشترك ومتكافئ، رسميًا ودبلوماسيًا، على العدوان الإيراني. وتندرج في هذا السياق التحركات الخليجية البينية، وآخرها زيارة رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان إلى البحرين ولقاؤه بالعاهل البحريني الملك حمد بن عيسى، وما تضمنته المحادثات من حديث واضح عن “المستجدات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط وتداعياتها الخطيرة على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي وتأثيراتها على أمن الملاحة الدولية وإمدادات الطاقة والاقتصاد العالمي”.
وشملت التحركات الخليجية البينية لقاءات سابقة، كان أبرزها تحركات أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني إلى الرياض وأبوظبي، إضافة إلى زيارات مختلفة لوزراء خارجية دول الخليج. وتصب هذه التحركات جميعها في اتجاه توحيد الموقف في توصيف ما جرى بوصفه عدوانًا، والتحرك خارجيًا لإدانته أولًا، ثم حشد موقف إقليمي ودولي ضاغط على إيران للتعهد بعدم تكراره.
ولا شك أن النظام الإيراني فوجئ بأن دول الخليج، في معظمها، أظهرت موقفًا سياسيًا قويًا، فرديًا وجماعيًا، منذ البداية ضد الهجمات، كما فوجئ بتأثيرها الخارجي وشبكة علاقاتها الدولية، وخاصة لدى الدول التي يعتقد الإيرانيون أنها حليفة لهم مثل الصين والهند وروسيا.
وهنا يأتي الوجه الثاني للإستراتيجية الخليجية، والمتمثل في الترويج لسردية ما بعد الحرب؛ وهي سردية تعمل على تفكيك المزاعم الإيرانية بشأن العدوان، خاصة لدى الدول التي وقفت في المنتصف مثل الصين والهند. فهذه الدول لا تريد التسليم لأميركا بالسيطرة على مياه الخليج ومضيق هرمز حتى لا تخسر مصالحها، لكنها في الوقت نفسه تعارض العدوان الإيراني على الخليج.
وفي هذا السياق، تأتي زيارة ولي عهد أبوظبي الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان إلى الصين، بهدف كسب دعم بكين لإستراتيجية التحرك الإماراتي لحشد موقف دولي لمنع أي تهديد أو تحكم في مضيق هرمز أو استهداف حرية الملاحة من أي جهة كانت بما في ذلك إيران.
وضمن التحرك الإماراتي الاستباقي الهادف إلى توسيع دائرة الدعم الدولي، جاءت أيضًا زيارة وزير الخارجية الهندي سوبرامانيام جايشانكار، وتأكيده خلال استقباله من الشيخ محمد بن زايد “تضامن الهند مع دولة الإمارات تجاه كل ما تتخذه من إجراءات للدفاع عن نفسها والحفاظ على سيادتها وأمنها وضمان سلامة أراضيها ومواطنيها”.
ويقول مراقبون إن الإمارات حصلت خلال العدوان على دعم كبير من عدد من الدول، تجلى في اتصالات من مستويات عليا تؤكد الوقوف مع أبوظبي ضد العدوان الإيراني، في رسالة واضحة تظهر مصداقية الإمارات خارجيًا وقدرتها على بناء شراكات فعالة لا تقف عند تبادل المنافع الاقتصادية والاستثمارية المباشرة، بل تتعداها لتمنح الإمارات وزنًا دبلوماسيًا تستفيد منه في خدمة قضاياها الوطنية.
إن شعور إيران بخطر وحدة الموقف الخليجي والدعم الدولي دفعها إلى اعتماد مقاربة مزدوجة إزاء الخليج، تقوم على التهدئة التكتيكية من جهة، والسعي إلى تفكيك أي اصطفاف جماعي قد يتشكل ضدها من جهة أخرى. وفي هذا السياق تأتي الاتصالات التي يجريها وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مع أطراف خليجية مثل السعودية وقطر، والتي سعى من خلالها إلى تقديم إشارات “ليّنة” توحي بالاستعداد لتجاوز مرحلة التصعيد، لكنها لم تتجاوز في جوهرها حدود الكلام العام والفضفاض.
ولم يجد عراقجي تفاعلًا يُذكر في اتصالاته الخليجية. فقد تعاملت الرياض والدوحة مع هذه الاتصالات من بوابة إبقاء باب التواصل الدبلوماسي مفتوحًا، لكنه سمع كلامًا واضحًا، من مثل ما جاء على لسان رئيس الوزراء وزير خارجية قطر الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني بشأن “ضرورة فتح الممرات البحرية، وضمان حرية الملاحة، وعدم استخدامها كورقة ضغط أو مساومة”.
ما يهم إيران في هذه المرحلة هو أن تبدو غير معزولة في محيطها الجغرافي، ولذلك تراهن على سياسة “فرّق تسد” لتحييد السعودية وقطر. وربما كانت الخطة الإيرانية ممكنة لو تعلقت بملفات سياسية خلافية، لكن بعد الهجمات التي طالت الخليجيين لأربعين يومًا، من الصعب أن تجد إيران فرصة لتحقيق اختراق في الصف الخليجي.
فاختلاف التعاطي الخليجي مع الحرب يتعلق بالتفاصيل وبأساليب الرد، وليس هناك أي اختلاف بشأن وصف ما قامت به إيران بأنه عدوان، وبشأن خطره الإستراتيجي على أمن الخليج واستقراره.
وسواء تجاوبت السعودية وقطر معها أم لم تتجاوبا، فإن الهدف الأعمق لإيران في هذه المرحلة يتمثل في تعطيل أي محاولة خليجية لتشكيل جبهة موحدة تتحرك على المستوى الدولي، سواء للمطالبة بتعويضات عن الأضرار، أو للحصول على ضمانات أمنية تحول دون تكرار الهجمات. فإيران تدرك أن توحيد الخطاب الخليجي قد يفتح الباب أمام تدويل الأزمة، وهو سيناريو لا يخدم مصالحها، خاصة إذا اقترن بضغط دولي يتعلق بأمن الملاحة في الخليج وبمضيق هرمز.
وفي ضوء ما أفرزته الحرب من تحولات، يبرز خيار الضغط الخليجي، كما تتبناه الإمارات، بوصفه مقاربة واقعية تستند إلى دروس الميدان وحسابات السياسة الدولية. فهذا الخيار لا يقوم على التصعيد المفتوح، بل على مزيج محسوب من الصلابة الدبلوماسية، وتكثيف الحضور الدولي، وتعزيز التماسك الداخلي الخليجي، بما يفرض على إيران كلفة سياسية وإستراتيجية لأي سلوك عدائي مستقبلي.
وقد أظهرت التجربة أن سياسة التهدئة غير المشروطة لم تؤدِّ إلا إلى مزيد من الاختلال في ميزان الردع، فيما يفتح الضغط المنظم الباب أمام إعادة صياغة قواعد الاشتباك بشكل يحد من اندفاع طهران نحو المغامرة.
* صحيفة العرب اللندنية
>
