مختار الدبابي

مختار الدبابي

تابعنى على

الخلايا النائمة... ورقة إيران الاحتياطية لاستهداف الخليج

منذ 6 ساعات و دقيقتان

أغلب دول الخليج كشف خلال الحرب أو بعدها عن خلايا موالية لإيران كانت تخطط لتنفيذ عمليات انتقامية ضدها. الكويت والبحرين والإمارات وقطر كلها كشفت عن نجاحها في تفكيك خلايا موالية لإيران إما بوقوف مباشر منها أو تم تشكيلها وتدريبها عن طريق حزب الله.

وأعلن جهاز أمن الدولة في الإمارات، الاثنين، “تفكيك تنظيم إرهابي والقبض على عناصره لتورطهم في نشاط سري استهدف المساس بالوحدة الوطنية وزعزعة الاستقرار من خلال التخطيط لتنفيذ أعمال إرهابية وتخريبية ممنهجة على أراضي الدولة”.

وقال البيان الإماراتي إن أعضاء التنظيم تبنوا “أيديولوجيات وأفكارا إرهابية متطرفة تهدد الأمن الداخلي، حيث نفذوا عمليات استقطاب وتجنيد عبر لقاءات سرية، وفق مخطط منسق مع جهات خارجية بهدف الوصول إلى مواقع حساسة”.

ويشير هذا البيان إلى أن الخلايا المدعومة إيرانيا في حالة كمون وهي تنتظر أوامر خارجية لتنفيذ التفجيرات أو الاغتيالات، وهو ما يعني أنها منظمة وتتحرك وفق خطة، وليست مجرد خلايا يائسة أو مجموعات معزولة أو أن لديها أعمالا محدودة مثل التجنيد الفكري أو جمع التبرعات، وهي بهذا ترتقي إلى مستوى الكيانات المسلحة المحظورة دوليا والمصنفة إرهابية في عدة بلدان.

هذه الخلايا كيانات عسكرية تخطط للاختراق والكمون لحين توفر الظروف الإقليمية والدولية المساعدة على التمكين على طريقة خلايا الإخوان المسلمين مع اختلاف في عنصر أن الخلايا الشيعية مدعومة من بلد إقليمي وتشتغل لحسابه.

من الثابت أن تشكيل هذه الخلايا سابق للحرب، لكن تحريكها قد يكون مرتبطا بفشل إيران في تنفيذ استهدافات مباشرة لدول الخليج بعد أن أثبتت المنظومات الدفاعية لهذه الدول قدرة على رصد وإسقاط الصواريخ والمسيرات الإيرانية بفعالية كبيرة.

يمكن تفهم عدم كشف سلطنة عمان لمثل هذه الخلايا بسبب العلاقات الخاصة بينها وبين إيران ولعبها دور الوسيط الذي لا غنى بالنسبة إلى إيران عنه. وبالنسبة إلى السعودية قد يكون تم تفكيك بعض الخلايا وترك الأمر طي الكتمان حتى لا يمثل الإعلان عنها عامل شحن إضافي في وقت تعمل فيه المملكة على ترك الباب مواربا لاستئناف الحوار مع إيران بهدف تطبيع أشمل يطال بصفة خاصة اليمن وتحييد الحوثيين لتأمين خروج سعودي آمن من اليمن.

لكن المفارقة هو وجود خلايا نائمة في قطر، التي تعتبر صديقا يرتقي إلى مستوى الحليف مع طهران، وكانت الدوحة في السنوات الأخيرة أحد قنوات الاتصال المثمرة لإيران وأذرعها في المنطقة. ووجود هذه الخلايا يؤكد للقطريين بدرجة أولى أن إيران جار لا يؤتمن للخصوم والأصدقاء في آن واحد، وأنها لم تتوقف أبدا عن التخطيط لإستراتيجية تصدير الثورة، التي تضع على رأس اهتمامها الخليج والعراق كملعب حيوي لها..

ولا شك أن قطر ستغير من درجة انفتاحها على إيران باتجاه الحذر وإن كان نفوذ الموالين لإيران و”محور المقاومة” في قنواتها الإعلامية قد يعيق ذلك، ولو إلى حين. والمفارقة هنا أن قطر، التي انفتحت على كيانات وشخصيات سياسية وإعلامية ودينية عربية بهدف توظيفها كأوراق تأثير إقليمي، وجدت أن كل ذلك الجهد يصب في صالح إيران وحزب الله.

وجود هذه الخلايا وتكاثرها وتزامن أنشطتها مع خطط إيران في الإقليم عناصر من شأنها أن تعمق الشرخ على المدى البعيد مع الخليجيين الذين كانوا يعتقدون أن إيران قد تغيرت وأنها تخلت عن الخطاب العدائي الذي جاء مع ثورة 1979. فهل ستتحرك دول الخليج بشكل مشترك وبتنسيق استخباري ورقابي وإعلامي لتطويق هذا الانتشار أم أن كل دولة ستعتمد طريقتها الخاصة، تماما كما حصل خلال العدوان الإيراني الأخير حيث اختلفت اللهجات والتقييمات.

ويدفع الكشف عن الخلايا النائمة دول الخليج إلى تعزيز تعاونها الأمني والاستخباراتي، سواء فيما بينها أو مع شركائها الدوليين، ما قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاستقطاب في المنطقة.

السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه: هل تحريك هذه الخلايا جاء كرد فعل على مواقف دول الخليج الصارمة تجاه إيران، أم أنه جزء من استراتيجية جاهزة سلفاً؟

تميل كل المؤشرات إلى الاحتمال الثاني. فمنذ انتصار الثورة الإسلامية عام 1979، تبنّت طهران مبدأ “تصدير الثورة”، الذي لم يقتصر على البعد الأيديولوجي، بل شمل أيضاً بناء شبكات موالية خارج حدودها. وقد ظهر ذلك بوضوح في تجارب مثل حزب الله في لبنان، والحوثيين في اليمن، والفصائل المسلحة في العراق.

ضمن هذا السياق، تبدو الخلايا النائمة في الخليج امتداداً طبيعياً لهذه الإستراتيجية، لكنها تعمل في بيئة أكثر حساسية، ما يفرض عليها درجات أعلى من السرية والانضباط. فهي ليست أدوات للاستخدام اليومي، بل أوراق احتياطية تُفعل عند الحاجة، سواء للرد على تصعيد عسكري، أو لخلخلة الاستقرار الداخلي لدول الخليج التي أظهرت قدرة كبيرة على الناي بالنفس والاعتماد على الذات ورفض الابتزاز الإيراني في ملفات مختلفة وخاصة ما تعلق بالعلاقة مع الولايات المتحدة أو مسار الاتفاقيات الإبراهيمية.

خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد موجة التهدئة الإقليمية وعودة العلاقات الدبلوماسية بين إيران وعدد من الدول الخليجية، ساد خطاب يقوم على “بناء الثقة” وفتح قنوات التواصل، وهو المناخ الذي أتاح لهذه الخلايا العمل بشكل مريح بعيدا عن الأنظار من أجل تجهيز نفسها للحظة الصفر التي تختارها إيران.

ففي الوقت الذي كانت فيه بعض العواصم الخليجية تراهن على تغيير في السلوك الإيراني، كانت أجهزة الأمن تكشف عن نشاطات مشبوهة مرتبطة بتمويل أو تجنيد أو تدريب عناصر داخل أراضيها. هذا التناقض بين الخطاب السياسي والواقع الأمني ساهم في تعميق فجوة الثقة، وأعاد إلى الواجهة الشكوك القديمة بشأن نوايا إيران.

وقد يكون الإيرانيون قد خططوا لتنفيذ عمليات انتحارية وتفجيرات بالتزامن مع العدوان العسكري على دول الجوار الخليجي بهدف إرباك الخليجيين وإظهار قدرة إيران على التأثير الإقليمي، لكن الكشف عن الخلايا في قلب الحرب أحبط الخطط الإيرانية.

النجاح الاستخباري الخليجي في ضبط هذه الخلايا وتفكيكها منع تنفيذ عمليات دموية ضد منشآت عسكرية ومدنية خليجية كان الإيرانيون سيبررونها بمزاعمهم عن استهداف الوجود الأميركي أو الإسرائيلي في الخليج. لكن اتجاهات الحرب أحبطت مساعي إيران لتوسيع استهداف دول الخليج وضرب اقتصادياتها والهز من صورة الاستقرار الذي تعيشه.

أحد أبرز ما كشفت عنه التحقيقات الأمنية هو أن العديد من هذه الخلايا كانت تنشط تحت أغطية مدنية، مثل شركات تجارية أو مؤسسات إعلامية أو حتى جمعيات خيرية. هذا النمط يعكس تحوّلاً في أساليب العمل، من التنظيمات المسلحة التقليدية إلى شبكات مرنة يصعب رصدها.

هذا التكتيك يمنح هذه الخلايا ميزتين أساسيتين: أولاً، القدرة على التحرك بحرية نسبية داخل المجتمع؛ وثانياً، إمكانية جمع معلومات دقيقة عن أهداف محتملة دون إثارة الشبهات. وهو ما يجعل من تفكيكها عملية معقدة تتطلب جهداً استخباراتياً طويل الأمد.

السؤال الأكثر إثارة للقلق هو ما إذا كان وجود هذه الخلايا يقتصر على دول الخليج، أم أنها تشمل دولاً عربية أخرى، خاصة الدول التي أبدت قربا من موقف إيران في الحرب تماشيا مع ما تعتقد أن الشارع يميل إليه. المفارقة أن إيران تجد في هذا التفهم والدعم غير المعلن الفرصة الملائمة لتنفيذ الاختراق الناعم بين النخب من بوابة الشعارات واتخاذ الأنشطة الثقافية مظلة في ذلك، خاصة في البيئات التي تشهد تعاطفاً مع خطاب “المقاومة”.

في النهاية، يبدو أن “الخلايا النائمة” ليست مجرد أداة تكتيكية في يد إيران، بل جزء من رؤية أوسع لإدارة الصراع مع خصومها، تقوم على الجمع بين القوة الصلبة والعمل السري طويل الأمد. غير أن هذه الإستراتيجية، رغم ما توفره من أوراق ضغط، تحمل في طياتها مخاطر كبيرة، إذ قد تؤدي إلى تقويض أي فرصة لبناء ثقة حقيقية في المنطقة.

وبينما تسعى دول الخليج إلى حماية استقرارها الداخلي، يبقى التحدي الأكبر هو كيفية مواجهة هذا النوع من التهديدات دون الانزلاق إلى سياسات قد تضر بتماسكها الاجتماعي. فالمعركة هنا ليست فقط أمنية، بل هي أيضاً معركة وعي وتوازن دقيق بين الحزم والانفتاح.

وسيكون من المهم الفصل في المعركة ضد الخلايا النائمة بينها وبين البيئة الشيعية الخليجية التي هي جزء من النسيج الخليجي ولا ذنب لها في الاختراق والشحن الطائفي للذئاب الجماعية أو المنفردة المرتهنة بالولاء لإيران. كما أن ضرب هذه المجموعات لا يمكن تصنيفه بأي شكل ضمن محاذير استهداف حرية المعتقد، لأن المواجهة تستهدف كيانات تتجهز لتنفيذ أنشطة عنيفة لا علاقة لها بالدين أو المذهب.

* صحيفة العرب اللندنية