عادل الهرش

عادل الهرش

تابعنى على

اليمن في قلب الصراع الدولي وتصاعد الضغط على الحوثيين

منذ ساعة و 3 دقائق

في الوقت الذي لا تزال فيه الجبهة الداخلية اليمنية عالقة في حالة “اللا سلم واللا حرب” بين الحكومة الشرعية ومليشيا الحوثي، يتجه مسار الأحداث خارجياً نحو مزيد من الحراك والتصعيد، لا سيما داخل دوائر القرار في واشنطن، حيث يتنامى الجدل حول كيفية التعامل مع جماعة الحوثي في سياق أوسع يرتبط بالنفوذ الإيراني وأمن الممرات البحرية الدولية.

في هذا الإطار، برزت مؤخراً دعوة جو ويلسون إلى “تحرير اليمن من النفوذ الإيراني”، في تعبير واضح عن توجه متصاعد داخل أوساط في الكونغرس الأمريكي نحو تبني لغة أكثر صرامة تجاه الحوثيين. ولا تبدو هذه التصريحات معزولة، بل تنسجم مع إدراك متزايد لدى صانع القرار الأمريكي بأن ما يجري في اليمن يتجاوز كونه نزاعاً داخلياً، ليصبح جزءاً من معادلة إقليمية ودولية أكثر تعقيداً.

هذا التحول انعكس أيضاً في تنامي التواصل الأمريكي مع القوى اليمنية الفاعلة على الأرض، وفي مقدمتها الفريق الركن طارق صالح، حيث شهدت الفترة الماضية لقاءات مكثفة مع مسؤولين أمريكيين، تناولت تطورات المشهد الميداني، ودور قوات المقاومة الوطنية في تأمين الساحل الغربي، وحماية خطوط الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، والتصدي لتهديدات الحوثيين، إلى جانب دورها في المعركة القادمة. ويشير هذا الحضور المتزايد إلى أن واشنطن باتت تنظر إلى هذه القوات باعتبارها نقطة ارتكاز حيوية ضمن منظومة أمنها الإقليمي والدولي.

ولا يمكن فصل هذا التوجه عن السياسات التي انتهجتها إدارة دونالد ترامب، والتي أعادت في مطلع عام 2025 تصنيف الحوثيين كمنظمة إرهابية أجنبية، في خطوة حملت دلالات سياسية وقانونية مهمة، وأعادت رسم إطار التعامل الدولي مع هذه الجماعة. كما سبقت ذلك تحركات رسمية من البيت الأبيض شملت إخطارات إلى الكونغرس بشأن عمليات عسكرية مرتبطة بالحوثيين، في مؤشر على انتقال واشنطن من نهج الاحتواء إلى سياسة ضغط أكثر مباشرة.

ميدانياً، شهد عام 2025 تنفيذ ضربات أمريكية دقيقة استهدفت مواقع عسكرية تابعة للحوثيين، شملت منصات إطلاق صواريخ ومخازن للطائرات المسيّرة، وذلك رداً على تهديدات طالت الملاحة الدولية. ومع تصاعد هذه الهجمات، تعزز ارتباط الملف اليمني بأمن البحر الأحمر، الذي تحول إلى إحدى أبرز ساحات الاشتباك غير المباشر بين الولايات المتحدة وحلفائها من جهة، والحوثيين المدعومين من إيران من جهة أخرى.

على الصعيد القانوني، مثّل تصنيف الحوثيين كمنظمة إرهابية نقطة تحول مفصلية، إذ أسهم في تضييق الخناق على تحركاتهم الخارجية، والحد من مصادر تمويلهم، وفتح المجال أمام فرض مزيد من العقوبات على قياداتهم وشبكات دعمهم.

إقليمياً، واصلت الولايات المتحدة تعزيز شراكتها مع حلفائها، وفي مقدمتهم المملكة العربية السعودية، بوصفها ركناً أساسياً في مواجهة التهديدات الحوثية. وقد عكست مواقف الإدارة الأمريكية، بما في ذلك التمسك بدعم هذا التحالف، إدراكاً واضحاً لأهمية الحفاظ على توازنات المنطقة في مواجهة التمدد الإيراني.

كما يشهد الكونغرس الأمريكي نقاشاً أكثر وضوحاً بشأن ضرورة التعامل مع الحوثيين ضمن سياق أوسع، باعتبارهم جزءاً من شبكة نفوذ إيرانية في المنطقة، وليسوا مجرد فاعل محلي. ويبرز في هذا الاتجاه عدد من الشخصيات السياسية، من بينها ليندسي غراهام وتوم كوتون، اللذان يدفعان نحو تبني سياسات أكثر تشدداً في مواجهة طهران ووكلائها.

هذا الاهتمام الأمريكي المتصاعد يؤكد أن الملف اليمني لم يعد شأناً داخلياً فحسب، بل بات جزءاً من صراع إقليمي ودولي متشابك تُرسم ملامحه في عواصم القرار الكبرى بقدر ما يتشكل على الأرض. وبينما يستمر الجمود في الداخل، تتبلور في الخارج معادلة جديدة قوامها الضغط السياسي، والتصعيد العسكري المحدود، والانفتاح على قوى يمنية فاعلة.

غير أن هذه التحولات، على أهميتها، تظل غير كافية لتحقيق تغيير حاسم ما لم تتوافر إرادة وطنية موحدة داخل الشرعية اليمنية تكون قادرة على إعادة ترتيب الصف الداخلي، وتحويل هذا الزخم الدولي إلى مكسب سياسي وعسكري حقيقي. فالتجارب تؤكد أن مآلات الصراعات لا تُحسم بالضغوط الخارجية وحدها، بل بقدرة الفاعلين المحليين على استثمارها وتوجيهها نحو دحر الحوثي، واستعادة الدولة والجمهورية وعاصمتها صنعاء، وبناء يمن جمهوري جديد أمن ومستقر.