لقد أكمل الله هذه الشريعة ببعثة نبيِّه صلى الله عليه وسلم، فما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وقد بلَّغ الرسالة وأدَّى الأمانة ونصح الأمة، قال الله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا﴾، فكل عبادة أو مناسبة دينية يُتقرَّب بها إلى الله تعالى ولم يأت بها دليل من الكتاب أو السنة فهي من المحدثات في الدين؛ لأن الذي يزيد فيه ما ليس منه، فإنما يتهم الإسلام بالنقص ويتهم النبي صلى الله عليه وسلم بالتقصير في البلاغ.
وقال صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد»، وقال صلى الله عليه وسلم: «كل بدعة ضلالة»، فالبدع والخرافات طريق الضلال والزيغ عن هدي النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم.
ومما ابتدعه المبتدعون في هذا الشهر: الاحتفال في الثامن عشر من شهر ذي الحجة من كل عام بما يسمونه (يوم الغدير)، ولو كان الاحتفال بهذا اليوم مشروعًا أو قربةً إلى الله تعالى لسبق إليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي مقدمتهم علي بن أبي طالب والحسن والحسين والعباس وأهل بيت النبي رضي الله عنهم أجمعين، إذ هم أعلم الناس بمقاصد الشريعة وأحرصهم على اتباع السنة.
وقد ذكر المؤرخون أن أول من ابتدع هذه البدعة وجعل الاحتفال بيوم الغدير شعيرة عامة هو معز الدولة البويهي الرافضي في عام ٣٥٢هجرية .
أما الاستدلال بحديث: «من كنت مولاه فعلي مولاه» على أنه وصية بالحكم لعلي رضي الله عنه فمردود من عدة أوجه:
أولًا: أن معرفة سبب ورود الحديث تعين على فهمه؛ فقد ورد هذا الحديث بعد ما حصل من كلام وشكوى من بعض من خرجوا مع علي رضي الله عنه إلى اليمن، فبيَّن النبي صلى الله عليه وسلم فضله ومكانته، وردَّ ما أُثير بشأنه، فقال: «من كنت مولاه فعلي مولاه».
ثانيًا: لو كان المقصود منه الوصية بالحكم والإمامة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لفهم ذلك الصحابة رضي الله عنهم، بما فيهم علي رضي الله عنه، ولو فهموه لما حصلت منهم مخالفة التوجيهات النبوية؛ لما عُرف عنهم من طاعته صلى الله عليه وسلم وشدة اتباعهم لهديه وسنته ولما وقع بينهم التشاور في أمر الخلافة بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، وهم أعلم الناس بلغة العرب وأفهمهم لمقاصد الشريعة.
ثالثًا: لو كان الحديث نصًا في الخلافة لاحتج به علي رضي الله عنه عند حصول النزاع في أمر الإمامة، ولنُقل ذلك عنه نقلاً مشهورًا ظاهرًا، فلما لم يُعرف عنه الاحتجاج به على هذا المعنى دلَّ ذلك على أن الحديث لم يُفهم منه ما يُدَّعى.
رابعًا: أن لفظ «المولى» من الألفاظ المشتركة في اللغة العربية، وله معانٍ متعددة، منها: الناصر، والمحب، والولي، والحليف، والمعتِق، وغير ذلك، ولا يلزم من إطلاقه معنى الإمامة أو الخلافة.
خامسًا: أن المعنى الصحيح لكلمة (مولى) الموافق لسياق الحديث وسببه هو إثبات محبة علي رضي الله عنه وموالاته ونصرته، وهذا يتفق مع قوله تعالى: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾.
سادسًا: لا يجوز اتخاذ هذا الحديث وسيلةً لادعاء امتياز أحد على الناس بمجرد النسب أو الانتماء، فإن معيار التفاضل في الإسلام هو التقوى والعمل الصالح، قال الله تعالى: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾، وقال سبحانه: ﴿وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا﴾.
ولقد أبطل الإسلام معايير الجاهلية في التفاخر بالأنساب والأحساب، وجعل ميزان الكرامة الحقيقي هو التقوى والعمل الصالح. فالناس جميعًا من أصل واحد، ولا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى.
ومن أعظم ما يحفظ وحدة المسلمين أن يدركوا أن النسب فضيلة إذا اقترن بالإيمان والاستقامة، أما مجرد الانتساب فلا يرفع صاحبه عند الله ما لم يحقق التقوى والعمل الصالح.
قال الحسن البصري رحمه الله: "ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل".
فالمسلم يوقر أهل الفضل ويعرف لصالحي أهل بيت النبوة حقهم ومكانتهم، الشرعية دون غلو أو جفاء، ويعتقد أن الفضل الحقيقي إنما يكون بالإيمان والتقوى واتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم.
وزير الأوقاف والإرشاد
من صفحة الكاتب على الفيسبوك
>
