مختار الدبابي

مختار الدبابي

تابعنى على

العليمي يلوّح بالحرب… فهل يمتلك أدواتها؟

منذ 47 دقيقة

لم يكن خطاب رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي، الذي دعا فيه الشعب والقبائل والقوى الوطنية إلى الالتفاف حول القوات المسلحة لاستعادة مؤسسات الدولة وإنهاء انقلاب الحوثيين، مجرد رسالة تعبئة داخلية، بل حمل في توقيته ودلالاته أبعادا سياسية ترتبط بالتصعيد الذي تمارسه إيران ضد دول الخليج ومصالحها، خاصة عرقلة تصدير النفط عبر مضيق هرمز والتلويح بتعطيل أي مساع سعودية للتصدير عبر البحر الأحمر. 

من حيث المبدأ، لا يمكن الاعتراض على دعوة رئيس أي دولة، حتى وإن لم يكن منتخبا ولا يحصل على توافق واسع، إلى استعادة مؤسساتها وإنهاء انقلاب مسلح قسّم الدولة واحتكر أهم سواحلها. فهذا هو الهدف الذي قامت من أجله الشرعية اليمنية والتحالف العربي، وهو أيضا المطلب الذي ينتظره ملايين اليمنيين منذ انقلاب الحوثيين وسيطرتهم على صنعاء.

لكن السياسة لا تقاس فقط بمشروعية الأهداف، وإنما أيضا بمدى توافر الأدوات القادرة على تحقيقها. وهنا تبرز بعض الأسئلة المهم: هل يعكس خطاب العليمي استعدادا فعليا لمعركة واسعة، أم أنه محاولة لتأكيد الشرعية؟ أم استجابة لرغبة خارجية؟ أم مغامرة شخصية؟

لو كان هذا النداء قد صدر قبل عام أو أكثر، متزامنا مع إعادة ترتيب القوات الحكومية وبناء تحالف سياسي واسع داخل معسكر الشرعية، لكان من الممكن اعتباره بداية مرحلة جديدة. أما اليوم، فلا تبدو المؤشرات العسكرية والسياسية كافية لتبرير الاعتقاد بأن الشرعية قادرة على حوض حرب ضد الحوثيين.

جاء الخطاب العليمي في ظل حملة تشكيك متزايدة في فاعلية مجلس القيادة الرئاسي، سواء من الحوثيين الذين يقدمون الحكومة باعتبارها كيانا فاقدا للتأثير، أو من قوى داخل الشرعية نفسها، وفي مقدمتها المجلس الانتقالي الجنوبي الذي لا يخفي خلافاته مع الحكومة بشأن مستقبل الدولة وشكل النظام السياسي ويتمسك بفكرة الانفصال ويرفض أي تعويم لها عبر شراء الوقت وإطلاق الوعود.

ومن هذه الزاوية، يمكن فهم تلويح العليمي بالحرب باعتباره محاولة لإعادة تقديم مجلس القيادة بوصفه مركز القرار الوطني، وإظهار أنه لا يزال يمتلك زمام المبادرة، وأنه ليس مجرد إطار سياسي يعيش على هامش التطورات العسكرية والإقليمية.

لكن المشكلة أن إعلان الحرب شيء، وامتلاك أدواتها شيء آخر.

فالشرعية اليمنية لا تواجه جماعة محلية محدودة الإمكانات، بل تنظيما تحول خلال سنوات الحرب إلى قوة عسكرية تمتلك بنية قتالية متماسكة، وخبرات ميدانية متراكمة، ومنظومات صاروخية وطائرات مسيرة، إضافة إلى شبكة قيادة وسيطرة أثبتت قدرتها على الصمود رغم الضربات الغربية والإسرائيلية الأخيرة.

كما أن الحوثيين نجحوا في بناء عقيدة قتالية تقوم على التعبئة الأيديولوجية والمذهبية، وهو ما منحهم قدرة أكبر على الاستمرار في القتال مقارنة بمعسكر الشرعية الذي لا يزال يضم تشكيلات عسكرية متعددة الولاءات والانتماءات القبلية والحزبية والمناطقية.

ولا يعني ذلك التقليل من قدرات القوات الحكومية أو القبائل اليمنية، فهذه الأخيرة أثبتت في أكثر من محطة قدرتها على حسم معارك برية عندما تتوافر لها القيادة الموحدة والإسناد المناسب. لكن للحرب وجها آخر أكثر تأثيرا وبات سمة للحروب الجديدة، وهو امتلاك منظومات متكاملة من الاستطلاع والدفاع الجوي والصواريخ والطائرات المسيرة والقدرات اللوجستية، وهو ما يتفوق فيه الحوثيون.

وهنا تظهر المعضلة الأساسية.

فالجيش الحكومي لا يمتلك غطاء جويا قادرا على تحييد التفوق الحوثي في مجال الصواريخ والطائرات المسيرة، ما يجعل أي عملية واسعة بحاجة إلى دعم سعودي مباشر، سواء عبر الطيران أو منظومات الدفاع الجوي أو الاستخبارات العسكرية.

غير أن هذا السيناريو لا يبدو الخيار المفضل بالنسبة إلى الرياض. فالسعودية عملت خلال الأعوام الأخيرة على تخفيض مستوى انخراطها المباشر في الحرب، وسعت إلى نقل عبء المواجهة تدريجيا إلى الحكومة اليمنية، بحيث تصبح هي الطرف الذي يقود عمليات استعادة الشمال وتأمين السواحل والموانئ والمنافذ البحرية. وهو خيار مفهوم، فالحرب يمنية – يمنية، وتدخل التحالف العربي كان للمساعدة التقنية وليس للاشتراك في الحرب بشكل مباشر.

وأي انخراط سعودي في المواجهة العسكرية المباشرة سيمنح الحوثيين فرصة لإعادة إنتاج الخطاب الذي طالما استخدموه، والقائم على تصوير الحرب باعتبارها مواجهة مع المملكة، لا مع الحكومة اليمنية. كما أنها ستفتح الباب أمام موجة جديدة من الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة ضد المدن والمنشآت السعودية، وهو ما تحاول الرياض تجنبه.

إضافة إلى ذلك، فإن تحويل السعودية مجددا إلى الطرف الرئيسي في الحرب سيمنح إيران مبررا إضافيا لمواصلة تمويل الحوثيين وتسليحهم تحت عنوان مواجهة “العدوان الخارجي”، وهو الخطاب الذي تستثمر فيه طهران منذ بداية الأزمة.

ولا تبدو البيئة الداخلية أكثر استعدادا لخوض معركة حاسمة. فالأسابيع الأخيرة لم تقد رئاسة مجلس القيادة حراكا سياسيا يمكن أن يؤسس لجبهة وطنية موحدة، أو يخلق حاضنة شعبية واسعة للحرب. وما زالت الخلافات داخل معسكر الشرعية أكبر من أن تسمح بتشكيل قيادة سياسية وعسكرية متماسكة.

فالهوة لا تزال واسعة بين الحكومة والمجلس الانتقالي الجنوبي، وهناك شكوك في التوصل إلى تحالف في ظل مواقف وخلافات جذرية بين أطراف يمنية داخل الشرعية أو قريبة منها وبين حزب الإصلاح السعي لتشكيل جبهة مناوئة للحوثيين، في حين تستمر الخلافات بين القوى القبلية والسياسية حول شكل الدولة ومستقبل الجنوب وتقاسم السلطة بعد انتهاء الحرب.

ولهذا يصبح من الصعب تصور قيام تحالف يمني واسع في فترة زمنية قصيرة، خاصة إذا كان خطاب العليمي يوحي بأن المعركة أصبحت مسألة عاجلة لا تحتمل مزيدا من الانتظار. فالحروب لا تبدأ فقط بإصدار بيانات التعبئة، وإنما تسبقها عادة عملية طويلة لإعادة بناء الثقة بين الحلفاء، وتوحيد غرف العمليات، وتأمين الموارد، وصياغة رؤية سياسية لليوم التالي وحملة إعلامية داخلية وخارجية لشرعنة أي هجوم.

في الحالة اليمنية، ما زالت أسئلة ما بعد الحرب أكثر تعقيدا من أسئلة الحرب نفسها.

فحتى لو تحقق تقدم عسكري ضد الحوثيين، فإن الخلافات بشأن مستقبل الجنوب، ونظام الأقاليم، وتقاسم السلطة، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، يمكن أن تعيد إنتاج الصراع بين القوى التي يفترض أنها تقاتل اليوم في خندق واحد.

ولهذا فإن بناء جبهة وطنية حقيقية يحتاج إلى ما هو أكثر من دعوات التعبئة. إنه يحتاج إلى تفاهمات سياسية عميقة، وربما إلى توافقات إقليمية تمنح القوى اليمنية ضمانات بأن الخلافات المؤجلة لن تتحول إلى حروب جديدة بعد انتهاء المواجهة مع الحوثيين.

ومن دون مثل هذه التفاهمات، سيظل من الصعب جمع القوى اليمنية المتنافسة تحت راية واحدة، مهما بلغت خطورة التهديد الحوثي.

ولا شك أن الحكومة اليمنية، ومعها القوى الإقليمية الداعمة لها، بحاجة إلى تحرك عسكري يحد من قدرة الحوثيين على ترسيخ سلطتهم، ويجبرهم على التراجع عن تهديد الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، ويعيد التوازن إلى المشهد اليمني.

لكن هذا الهدف يتطلب شروطا لا تبدو متوافرة حتى الآن؛ من إعادة بناء المؤسسة العسكرية، إلى توحيد الصف السياسي، مرورا بصياغة خطاب إعلامي قادر على استعادة ثقة اليمنيين، وانتهاء بتوفير غطاء إقليمي يعطي إشارات قوية للفرقاء اليمنيين بأن يتحدوا في الحرب ويؤجلوا الخلافات. كما يعطي ضمانات لمرحلة ما بعد الحرب بشأن التسوية السياسية، خاصة ما تعلق بالموقف من انفصال الجنوب ونظام الأقاليم وتوزيع عائدات النفط. 

الحكومة اليمنية والمحيط الإقليمي في حاجة إلى تحرك عسكري يمني لإضعاف حكم الجماعة الحوثية وإجبارها على الكف عن تهديدات الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب. لكن الأمر يتطلب استعدادا عسكريا وسياسيا وإعلاميا والتفافا شعبيا لا يبدو أن الحكومة الحالية تمتلكهما أو قادرة على تحقيقهما في المدى المنظور، ما يوحي بأن خطاب العليمي أقرب إلى رد الفعل أو المغامرة منه إلى إظهار القدرة على خوض الحرب وامتلاك أدواتها لأجل تحرير السواحل وحماية الملاحة وفرض خيار تصدير النفط.

* صحيفة العرب اللندنية