عبدالفتاح الصناعي

عبدالفتاح الصناعي

تابعنى على

أم المعارك (1)

الجمعة 27 يوليو 2018 الساعة 09:44 م

معركة الهوية هي أم المعارك فعلاً؛ لأنها أصعب وأخطر المعارك، ولأن النجاحات فيها تخلق نجاحات مختلفة وتأتي بإنجازات مذهلة وبطريقة تلقائية، كما أن الفشل فيها يجر إلى إخفاقات وتأزمات وتعثرات متعددة على مختلف المستويات والأبعاد.

قد تتشابه الهوية مع الأيديولوجية من الناحية الصورية والشكلية، ولكنها تختلف معها أشد الاختلافات والتناقضات من الناحية الجوهرية، من ناحية القيم والأفكار والمعتقدات والنظرة للعالم وللحياة بكل ما فيها من مقدسات وقضايا شائكة.

الأيديولوجيات قائمة على نظريات سياسية وفكرية لها أهدافها السياسية وعداواتها وتطرفاتها واستغلالاتها، محملة بالعديد من التأزمات واعتساف الحقائق ترفض التغيير ومواكبة العصر وتطوراته، بينما الهوية هي إطار فكري وسياسي عام بطريقة حضارية تعمل على حل مشكلة الفرد والأمة.

إن تخلق وتبلور الهوية الثقافية والسياسية الجديدة للأمة، ليس أمرا ترفيا ولا لهثا وراء موضة ولا تفاخرا باقتناء جهاز تكنولوجي كآخر إصدار متقدم تم تصنيعه وإنزاله للسوق، ولكنه أكثر ضرورة أساسية وحاجة اضطرارية وملحة لحياة الأمة أو موتها، فالهوية الجديدة للأمة كالماء والهواء، ولكنها بنفس الوقت تشبه ملاحقة الموضات والإصدارات الحديثة من ناحية بأن تبلور وتخلق الهوية الجديدة للأمة لابد أن تكون قائمة بشكل أساسي وجوهري على متابعة ووعي وإدراك آخر الرقي المعرفي، وآخر النظريات الحديثة وتجارب الأمم والحضارات قبلنا وإلى أين وصلت وكيف عالجت أخطاءها ومشاكلها؟ وتقدير حقيقي للمرحلة التي نحن فيها وخصوصية أمتنا وطبيعة وحساسية المرحلة.

بكل وضوح وباختصار، أي أمة تؤمن وتتعامل مع التطورات المادية والشكلية، وترفض وتزهد عن ما سوى ذلك من التطورات المعرفية والفكرية، ستعيش التيه والغربة في هذا العالم والتناقضات الشديدة المقلقة؛ بسبب ضياع وتمزق الهوية.

لم يعد اليوم بوسع أحد ولا هو مضطر لأن يستخدم وسائل الحياة القديمة بكل بدائيتها مع تطورات الحياة المذهلة، واستمرار تطور أدوات ووسائل الحياة، ومن يقوم بعمل هذا فهو يسير عكس الحياة وقوانينها ويعمل على إضاعة وقته وجهده وطاقته هدرا، وبالتالي يسخر منه العالم، ولن يستطيع إيقاف التطورات ولاتغيير سنن الحياة ونواميس الكون وقوانين التقدم الحضاري.

وهكذا هو حال ومصير من يتمسك بقناعات وأفكار وتفسيرات تراثية في خضم تطورات الحياة وعلومها ومعارفها وافكارها وتجاربها.

في حقيقة الأمر، نحن أمام خيارين: إما أن نصنع هوية الأمةالحضارية الجديدة؛ وبالتالي نضمن مستقبل الأمة وأن تكون منتصرة في كل معاركها، وإما أن نعيش معارك وقضايا جزئية متفرقة ومبعثرة وتظل تظهر المشاكل والاختلالات بمكان آخر كلما عالجنها بمكان سابق؛ وبالتالي يسود اليأس والتناقض وتبعثر الجهود وهدر الطاقات والقدرات حياة الأمة على المستوى الجمعي والشخصي، بحيث تظل معاركنا الفكرية والسياسية مفتوحة دون حسم ودن أمل وعمل للخلاص.