حسين الوادعي

حسين الوادعي

تابعنى على

ما نزال نعيش العصور الوسطى!

الأربعاء 09 يناير 2019 الساعة 09:36 ص

العصر الوسيط لم يكن فترة زمنية فقط. لكنها كانت مناخاً عقلياً، ومركبات نفسية، وواقعاً اجتماعياً يشبه كثيراً عصرنا الراكد.

وإذا كانت العصور الوسطى الأوروبية هي الفترة الزمنية التي تفصل بين الحضارة الرومانية-اليونانية والعصر الحديث (1000 عام تقريباً)، فإن العصور الوسطى الإسلامية ممتدة ومتطاولة في الزمان.

قد يؤرخ لها البعض بسقوط الخلافة العباسية، وقد تصل عند البعض إلى 1400 عام.

ما سمات العصور الوسطى لنحسم الشك باليقين إذا كنا نعيشها أم تجاوزناها؟

أول سمة من سمات العصور الوسطى هي سلطة الماضي.
القديم هو الصحيح، والماضي هو المثال الذي كان الأوروبيون يريدون بناء مستقبلهم على غراره.
كان الجديد عدو القروسطيين، فكل محدثة بدعة، وكل ما لم يفعله القدماء مُحرّم، والجديد غزو فكري وتآمر على الدين والفضيلة والقيم.

أما السمة الثانية فهي سيطرة الذهنية الدينية الأخروية على الناس.
فلا شرعية لأي شيء إلا لو كان له سند من الكتاب المقدس.
 ولم يكن هناك فصل بين الدين والدنيا فالسياسة دين، والتعليم ديني، والقضاء دين، والشرائع دينية.
الحياة الأخرى هي محور سعي الناس واهتمامهم، اما الحياة الدنيا فمحتقرة، وحب الحياة خطيئة، والإبداع هرطقة.

السمة الثالثة كانت سيطرة الخرافة على عقول الناس.
الإيمان بالسحر والجن والشياطين والمعجزات، كرامات الأولياء والقديسين، جهل قوانين العالم والاعتقاد أن النوايا والدعوات يمكن أن تتغلب على الشروط الموضوعية للتغيير، الإيمان بالعين والحسد والحظ والشؤم، تفسير الأمراض بالجن والأرواح الشريرة.

السمة الرابعة هي غياب الروح الفردية واعتبار الإنسان جزءاً من القطيع.
لم يكن يحق للإنسان أن يختار مصيره أو مهنته أو زواجه لأنه جزء من جماعة أكبر يخضع لقوانينها. وكان نظام الطبقات والفئات مغلقاً، فالفقير يظل فقيراً والغني يظل غنياً إلى الأبد.

السمة الخامسة هي تحقير المرأة واعتبارها رجلاً ناقصاً لا استقلال لها.
عورة وفاتنة ومغوية يجب حجبها عن الأنظار، حبائل الشيطان وسبب الخطيئة الأولى والخروج من الجنة. ليست مساوية في الرجل لا في العقل ولا في الدين ولا في الميراث ولا في الحقوق الخاصة والعامة، ومكانها الأول والأخير هو البيت، ووظيفتها الوحيدة والمقدسة هي الأمومة وتدبير البيت.

السمة السادسة للعصور الوسطى كانت الاستبداد السياسي والاجتماعي.
 لا وجود للحريات، فحرية التدين مرفوضة والسيف جزاء كل من يرتد أو يتمرد على العقيدة الرسمية.
 لا وجود لحرية الفكر والتعبير، فكل الأسئلة تمت الإجابة عنها سلفاً من قبل رجال الدين والحكم ولا حاجة للتفكير أو التعبير.
 الاستبداد قدر وطاعة الحاكم دين، والقهر ابتلاء رباني.

السمة السابعة هي التعصب الفكري والاجتماعي.
 فعقيدتنا هي العقيدة الوحيدة الصحيحة، وديننا هو الدين الصحيح الذي يجب أن يسود بالسيف أو بالإقناع.
القتال من أجل إعلاء كلمة الله من أوجب الفروض، ومذهبنا أو طائفتنا هي الطائفة الناجية والمختارة.

السمة الثامنة هي التوفيقية. محاولة التوفيق بين الدين والعلم، وبين العقل والخرافة، وبين الماضي والحاضر.
ترفض العقلية القروسطية حسم القضايا، فهي دائماً في موقع متذبذب، تؤمن بقوانين الطبيعة وبالمعجزة في آن معاً، وبالحرية والجهاد من أجل فرض العقيدة بالقوة في نفس الوقت، وبالمساواة والتمييز بين الناس على أساس الدين والجنس والعرق دون أي إحساس بالتناقض.

هذه بعض ملامح العصور الوسطى الأوروبية.
ولا شك أننا نعيشها، وأنها طالت وهيمنت، وأننا لم ننجح في تجاوزها إلى عصر النهضة.

* من صفحة الكاتب علی (الفيس بوك)