عبدالستار سيف الشميريعبدالستار سيف الشميري

تركيا.. أوهام الخلافة ورهانات الدور الإقليمي

مقالات

2020-01-06 17:59:57

في أدبيات حزب العدالة التركي وطموح أردوغان الشخصي بالسلطنة، ومشاريع الإخوان وأحلامهم ودفعهم به إلى أوهام الخلافة والزعامة في كل ذلك، يتجلى طموح تركيا الإسلامية أو الإخوانية بأن تكون محور القرار في الشرق العربي والإسلامي، وبحسب تعبير أحدهم (الخلافة الإسلامية) بثوب (علماني).

إنه طموح غير معبر عن أغلبية الشعب التركي وملامح اتاتورك العلمانية، ومثل هكذا طموح أمامه عقبات كثيرة لعل أهمها ضيق الشعوب العربية بالتجارب الإسلامية حديثها ومن باب أولى قديمها كتجربة الخلافة التركية التي لا تزال الأجيال العربية والإسلامية تقرأ عن بعض تفاصيلها المريرة.

بيد أن ذلك ليس وحده عائقا أمام هكذا طموح تركي إخواني، فتركيا نفسها متخمة بجروح داخلية منها مجتمعية ومنها صراعات اثنية، ومنها تلاشي حلم تركيا بأن تصبح أوروبية رغم كل المحاولات المتكررة والتنازلات التي لم تقنع الأوروبيين بأردوغان وسياساته المتقلبة.

وربما أن هذا الفشل باتجاه أوروبا هو أحد الدوافع للاتجاه شرقا يغذيه قطيع الإخوان المنتشر في بلدان كثيرة ومال قطري متدفق حسب الطلب.

تبدو تركيا وكأنها دولة لتجميع نفايات الشعوب ومتطرفي العالم وجماعات العنف وكل الالوان السوداء والمغضوب عليهم، ويصرخ مثقفون اتراك ضد هذه الظاهرة الشاذة على بلدهم دون جدوى، ويتم اسكاتهم من خلال جهاز اعلامي قوي مهمته تحوير الحقائق مدعوم بجهاز اعلامي إخواني عابر للحدود يعمل على تمجيد أردوغان وحزبه وتشويه كل الانظمة المخالفة له واستغلال أخطائها لتضخيمها من ناحية وتدغدغ أحلام الجماهير بالازدهار الاقتصادي من ناحية أخرى.

تجد النخبة التركية نفسها أمام استحقاقات صعبة تتجاوز قدرات تركيا المحلية التي يريدها الشعب التركي الذي هو جيل اتاتورك الذي قوض احلام الخلافة وحاول ايجاد دولة وطنية تركية تعنى بشأنها وقوتها ولا تنجر للعبور لأدوار إقليمية مشبوهة.

فيما يحاول أردوغان أن يمحي تدريجيا قواعد اتاتورك الراسخة وعلمانيته المتجذرة في الجيش والقضاء والشعب التركي، معتقدا أن الممدد الشعبي للإخوان سيخلق تأثيرا في الداخل وهذا ما سيثبت عدم صوابه مع تقادم السنوات، وتجر تركيا إلى مشروع الإخوان وتنظيمهم الدولي بصورة فجة.

ويتواجد الدور التركي اينما توجد للإخوان مصلحة في التواجد ويصل الأمر إلى تدخل عسكري ومعاداة كل الانظمة والشعوب التي تعادي الإخوان، ليس الأمر كذلك فقط، بل يصل الأمر إلى تماهي الخطاب السياسي الرسمي التركي مع خطاب الإخوان جملة وتفصيلا، وتنتقل كل قيادات الإخوان وجماعات العنف إلى تركيا فيتم تجنيسها وتصبح تركيا بلد العلمانية وكرا لكل أنشطة الجماعات الدينية، ومستقرا لجماعات العنف.

ويوما ما ستدفع فاتورة باهظة للمجتمع الدولي الذي وان كان يتغاضى حاليا لكنه يراقب ويرصد وسيحاسب يوما ما.

تقع تركيا في فخ التدخل العسكري في ليبيا دون حساب العواقب، وتعادي كل دول المنطقة حتى المملكة السعودية وهي التي كانت عبر التاريخ تحتفظ بعلاقات مع تركيا في كل الظروف.

تجد تركيا نفسها ضمنا ضمن المشروع الإيراني دون حساب العواقب، وهو الأقدر أن يبتلع نصف المنطقة بادواته المختلفة، وتسيئ تقدير تماهيها مع الدور الإيراني الذي لن يمنحها فرصة أن تكون مشروعا حقيقيا في المنطقة حتى وإن جمعها به العداء المشترك لبعض الأنظمة العربية.

تفقد تركيا شوكة ميزانها باعتبارها بلدا كان يمكن أن يحسن العلاقة بكل الشعوب والدول والتخلي عن احلام اوهام الخلافة التي لن توصلها إلى شيء.

يبدو أردوغان كبيدق بيد الإخوان سيغرقونه لا محالة وهم يحاولون اخونة تركيا وهو مقابل ذلك يقوم بتتريكهم واحتواء تنظيمهم الدولي الذي يعيش أسوأ أيامه فقد ضاقت عليه الأرض.. بعد أن تخلص شعب مصر من الجماعة الأم ومرشد المرشدين.

كل هذا التبادل الانتهازي بين الإخوان وأردوغان لن يطول ولن يستطيعوا إنقاذه عندما يخسر الداخل التركي الذين لن يصبروا إلى ما لا نهاية وهو يبدد طاقتهم في مشاريع سياسية خارجية ليست ذات جدوى ومردود.

وهناك مؤشرات كبيرة على أن الاقتصاد التركي بدأ في عده التنازلي وتعرضت الليرة التركية لهزات عنيفة وتضاعفت معدلات الدين.

كما أن إحكام أردوغان قبضته الاقتصادية وتولي مقرب منه هذه المهمة أضر بالاقتصاد التركي لا سيما بعد إعلان امريكا انها تراجع المسار الاقتصادي مع تركيا.

لقد كانت النجاحات الاقتصادية التي حققها حزب العدالة هي سر استمراره في السلطة وقبول الشارع ومع اول بوادر الأزمات الاقتصادية سيكون للشارع رأي آخر وقد يكون قاسيا وربما تبدأ معاقبة أردوغان من بعض أعوانه في الشركات التركية وبعض رجاله الذين ساندوه مراراً.

ولعل بعض الانقسامات الداخلية لحزب أردوغان وتخلي ابرز رفاقه في الحزب عنه ومضيهم لإنشاء حزب جديد بعد إدراكهم أن ديكتاتورية وتفرد أردوغان أضحت مشكلة حقيقية، هذا الانشقاق هو أول شواهد هذا الغرق الأردوغاني الذي قد يستلزم سنوات.

إن المجازفة التركية بقيادة أردوغان هي الخطيئة التي تقع فيها كل الأحزاب الدينية عندما تصل إلى الحكم حيث تتوسع خارطة أحلامها ويعلو سقف خطابها وتوسع من دوائر خصومها، وفي النهاية تهلك وتتهاوى وتذوب وان كان في تركيا سيأخذ وقتا أطول وسيكون تدريجيا عما حدث في مصر وغيرها لأسباب يطول شرحها.

كان يمكن لتركيا أن تكون دولة تمثل معادلة وازنة في المنطقة أمام إيران وإسرائيل وكانت ستجتذب كثيرا من مشاعر الشعوب العربية والإسلامية وستستفيد من الفوائض المالية الهادرة في الخليج لتوسيع نشاط تركيا الاستثماري والصناعي، ولكن يبدو أن لعنة الإخوان قد أصابتها في مقتل، وأصبحت حقل تجارب جديدا سيتهاوى وسيلحق بآخر ما سقط من هذه التجارب كما حصل في السودان أخيرا، وسيحتاج الشعب التركي لدفع ضريبة لم تكن مستحقة عليه ولا في استراتيجياته في خلق تركيا علمانية أوروبية عامرة بالبناء بعيدة عن أيديولوجيا وصراعات الدين وخلطه بالسياسة وأوهام الخلافة.. وهذا ما ستكشفه السنوات القليلة القادمة.

-->