عبدالستار سيف الشميري

عبدالستار سيف الشميري

تابعنى على

قراءة متأخرة في 11 فبراير

منذ ساعة و 32 دقيقة

شاركنا في فبراير وكان لدينا حلم، حلمٍ يضاهي، في براءته، ذلك الذي حمله مارتن لوثر كينغ وهو يقود مسيرته في المارش التاريخي إلى واشنطن عام 1963، حين قال عبارته الخالدة: I have a dream،  لديا حلم.

نحن أيضًا كان لدينا حلم حملناه بصدور عارية، وبثقة ساذجة بأن الأرض التي نقف عليها صلبة، وأن التاريخ إذا فُتح بصدق فلن يغلق في وجوهنا وأننا نسير على مهد ساكن،

كتبنا، هتفنا، صبرنا، نزفنا، وانتظرنا حصادًا لم نكن نعلم  إلا متأخرين أنه لن يأتي.

كان مارش كينغ يسير في شوارع لا تمطر رصاصًا، وسط جموع لا تحمل سلاحًا، ولا تختطفها جماعة، ولا تعسكرها فرقة، ولا تتسلل إليها قوى الظلام خرج بمئتي ألف، فعاد بالتاريخ إلى الأمام.

أما نحن، فخرجنا بأكثر من مليون، في ساحات مفتوحة على البنادق، مخترقة بالعقائد، مسكونة بالقبيلة، ومهيأة للاختطاف وانتهى الأمر… لكن إلى الخلف.

يمكن القول  بلا مواربة إن “فبراير” خرجت عن مقصدها، وأُخرجت عن مضامينها، في لحظة حماس بلا وعي، ودون قدرة حقيقية منا على الحماية.

منذ اللحظة التي تسلّق عليها محسن وجماعته، وحميد وإخوانه. 

ومنذ قررت توكل ومجموعة صغيرة بدعم قطري أخونة الثورة وتقديمها كورقة اعتماد لدى الاستخبارات العالمية والغرب تحديدا كعربون رضا عن إسلاميين سوف يحكمون المنطقة كحلفاء جدد، ومنذ أن خطب يوسف القرضاوي في ميدان التحرير في القاهرة خطب الزنداني معلنا قيام الخلافة، تبعه صعتر ببيان الدم المفترض أن يراق لتحقيق الخلافة، ومنذ أن انحدر الخطاب الثوري من سقفه الأخلاقي، وارتفعت في الساحات هتافات:

 “حيا بهم.. حيا بهم” وهي تستقبل النطيحة والفضيحة، والزنداني، ووعد الخلافة، وهوامير القبيلة، ومجاميع التطرف.

في تلك اللحظة بالذات، كانت فبراير تغادر موقعها كثورة، وتتحول إلى منصة وأزمة، ومشروع انتقام.

بدأت السلمية تتآكل، لا بفعل الرصاص وحده، بل بفعل الشعارات التي مجّدت الموت، ورفعت الشهادة فوق الحياة، وحوّلت الحلم المدني إلى نشيد تعبوي ماكر.

اغتيل الفعل الثوري بنجاح، وصودرت أخلاقيات السلم، وسُحب البساط من تحت أقدام الشباب الحالم ورُميت عليهم كل التهم.

وهناك، كُتبت النهاية غير المعلنة لحلم فبراير. 

صرخنا محاولين حماية الحلم بشعار لا حزبية لا إخوان لكن صوتنا كان قد أبعد عن منصة الإعلام وأصبح صوتا نشازا.

اليوم، من الشجاعة أن نأخذ الأحكام على “فبراير” من وجوه البسطاء، من صمتهم، من نظراتهم، من فطرتهم التي لا تكذب.

وهذه الفطرة للأسف تلعن اليوم فبراير، لأن من حاولوا أسلمتها، وتسخيرها وفق منطقهم، جعلوا منها أداة هيمنة لا أفقًا للحرية وتغيير.

التثوير، في ذاته، ليس غاية أخلاقية ولا قيمة مطلقة إنه وسيلة انتقال مشروطة.

وسيلة تحتاج إلى عقد جديد، وبرامج جاهزة، وآليات تنفيذ، وقوى قادرة على البذل لا الاقصاء.

أما التثوير بلا أدوات، فهو قفز أعمى إلى الهاوية.

قلنا حينها أن إصلاح النظام خيار واقعي بدل من اسقاطه والذهاب إلى مجهول. لكن كان الأمر قد قضي.

ايها المتحمسون للاحتفال والاحتفاء 

الثورات لا تُقاس بشعاراتها ولا بأحلامها، بل بمآلاتها.

بما أحدثته من تغيير فعلي في حياة الناس.

والسؤال اليوم  قاسيًا هل تحسّن الواقع ؟ 

أم أننا انتقلنا من خلل إلى خراب؟ 

ومن ضاحة إلى منذاف.

لكن .. اولا واخيرا ..

إعلان فشل ثورة ما لا يعني تخوين كل من شاركوا فيها، ولا إلغاء مبرراتها..

بل يعني  ببساطة شجاعة المراجعة.

ودراسة أسباب الفشل، لا الاحتفاء المرضي بالذكرى.

لعل من أهم أسباب فشل طموحات فبراير، سياسيًا واقتصاديًا، داخليًا وخارجيًا، هو ركوب القوى المضادة لموجتها وابرزهم.

اليمين الديني، حركات التطرف، الإخوان، الحوثي، هوامير الفساد العسكري، وقوى رجعية رأت في الثورة فرصة انقضاض على غنيمة.

في غالب الظن هذا هو السبب الجوهري لانكسار 11 فبراير في اليمن.

المشكلة الأعمق أن فبراير افتقرت منذ لحظتها الأولى إلى قوة ثورية خالصة ونواة شبابية صلبة،

وقيادة واضحة،،،

كان المشهد خليطًا متناقضًا:

شباب صادق، ومجتمع غاضب،

وقوى فساد متربصة،وقوى دينية انتهازية،،،

وهذا الخليط  بطبيعته  لا يُنتج ثورة، ولا يبني دولة،،،،

إن أبسط مراجعة لفبراير، بعيدًا عن الخلاف في التسمية، تقود إلى اعتراف واحد:

لقد أخطأنا حين وثقنا بالقوى التي صرفت السيل عن مجراه، وحوّلت الثورة إلى غزوة،،،،

وهنا يطل السؤال القديم:

هل يصلح العطار ما أفسده الدهر؟

لكن تبقى اولا واخيرا ..

كل الثورات تجارب تربوية قاسية

ونحن غالبا نتعلم بالوجع،،،

فهل تعلمنا ام اننا نكابر حتى اللحظة ،،

الخبل والغباء ليس في الخطأ، بل في الاحتفاء به،،،،..

#الشبزي

من صفحة الكاتب على الفيسبوك