حسين الوادعيحسين الوادعي

نقاش حول "القبيلة" في اليمن

سياسة

2020-04-21 10:51:10

تحويل النقاشات حول القضايا والاحداث العامة الى نقاش حول "القبيلة" مرض يمني نادر الحدوث في المجتمعات الأخرى..

كما توقعت.. كانت النغمة امس كما يلي: لماذا لا تتدخل القبيلة لحماية أبنائها؟، أين القبيلة من المختطفين والمسجونين؟ يجب ان تظل القبيلة قوية وقادرة على حماية ابنائها! لماذا تتراجع القبيلة وتستسلم للميليشا؟

اليوم انقلبت النغمة 180 درجة...

كيف تستسلم الدولة لضغط القبيلة؟ لماذا لا ترضخ الحكومة إلا لمطالبات القبائل القوية؟ لو كان المختطف من قبيلة ضعيفة لما التفتوا له!

لماذا لا تتدخل القبيلة لحماية النساء؟ لحماية المدن؟ لحماية المعسكرات؟ لحماية الرئيس؟ لحماية الحدود!!!!

مطلوب من القبيلة أن تقوم بدور الدولة في حماية الناس وحماية الدولة وحماية الجيش، ومطلوب منها ان تُعاقب وتُلعن في نفس الوقت لأنها لم ترضخ للسلطة ولممارساتها.

فإذا تدخلت فهي متهمة وإذا سكتت فهي متهمة.

فوضى مفاهيمية وقيمية لا تدل إلا على غياب الهوية الوطنية وهشاشة وعي المواطنة والقانون، والتمسح الرخيص بشماعة القبيلة سلبا وايجابا...

***

القبيلة الخارقة.. القبيلة البدائية.. القبيلة المظلومة


عند كل حادثة تثير الرأي العام يجري استدعاء القبيلة اليمنية أو التذمر من غيابها.

فإذا سقطت الدولة تعالت التنديدات بغياب القبيلة وتقاعسها عن حماية الدولة!

واذا ما اشتعلت الحرب في محافظة تسابقت التنديدات بغياب القبيلة وتأخرها عن حماية المدينة!

وإذا اعتقل ناشط او تم الاعتداء على امرأة امتلأت الصحف وصفحات السوشيال ميديا بالبكائيات على تراخي القبيلة في حماية النساء وإطلاق الناشطين والمطالبة بالمرتبات وعودة الكهرباء حماية حقوق الإنسان!

صحيح ان قبائل "طوق صنعاء" هي الضحية الأكبر لهذه المطالبات اللاعقلانية، لكنها تمتد أيضا الى قبائل "طوق عدن" وقبائل حضرموت وشبوة والمهرة.

ان المُضمَر والمكبوت الذي يحرك هذه النظرة هو ان القبيلة كتلة من المحاربين الابديين، الموجودين ضمن كيان خارج الدولة.

ورغم ان القبيلة هي التكوين الاقل استفادة من إمكانيات الدولة وعطاياها الا أن المتمدن/المثقف قد كلفها بمهمة القتال الدائم حفاظا على الدولة.

هذه النظرة تنفي صفة المواطنة عن القبيلي وعن القبيلة.

فبدلا من ان تحمي الدولة القبيلة تصبح القبيلة مطالبة بحماية الدولة.. وبدلا من ان تحمي أجهزة الأمن والجيش كل المواطنين تصبح القبيلة مطالبة بحماية الجيش نفسه!!

غني عن القول ان هذه المطالبات غالبا ما تصدر عن مدنيين ومثقفين وناشطين وسياسيين اما بعيدين عن حياة القبيلة او متعودين على استغلالها.

لكن نفس هذا المدني/الناشط/السياسي/المثقف الذي يطالب القبيلة بلعب دور روبن هود وسوبرمان وابو زيد الهلالي مرة واحدة، هو نفسه الذي لا يكف عن تحقير القبيلة وشيطنة القبلي ونزع الصفة الانسانية عنها بسبب نفس الصفات التي من أجلها يطالب القبيلة بحماية الدولة والجمهورية والحقوق: الصفات المفترضة للقبيلة كوحدة قتالية، وللقبيلي كمقاتل ابدي.

دعوتي أقول ان هذه نظرية عنصرية تمييزية وجاهلة.

عانت القبيلة اليمنية مثل غيرها من عسف الدول المتعاقبة على اليمن عبر التاريخ.

وكان التنكيل بالقبيله هو الحدث المتكرر في تاريخ القبائل.

لم تسلم حتى أقوى القبائل اليمنية من تنكيل دولة الإمامة او من تنكيل النظام الماركسي في الجنوب او من تنكيل نظام صالح، او من تنكيل الدويلات التي تعاقبت على حكم اليمن بالسيف والقهر.

صورة القبيلة القوية الخارجة على الدولة كانت صورة مزيفة فرضتها رغبة الدولة في استثمار القبائل قي معاركها.

والحقيقة ان القبيلة اليمنية كانت قد ضعفت وتفتت تضامنها الداخلي بعد ثورة 1962م في مقابل صعود قوة وسطوة المشايخ.

تحول المشايخ بدعم الدولة الى قوة قاهرة للقبيلة، وسقطت القبيلة تحت قهر ثلاثي: قهر الشيخ المدعوم بمال الدولة وسلاحها، وقهر الدولة، وقهر المدني/السياسي الذي ظل يروج للنظرة العنصرية التحقيرية للقبيلة والقبيلي.

الخلاصة.. ان القبيلي مواطن يجب ان يتمتع بحماية الدولة لا أن يحميها.

إن هموم القبيلي هي نفس هموم أي شخص آخر في مناطق الرعية او في المدن: الدخل، التعليم، الكهرباء، الامن، الصحة.

أما الحديث المتكرر عن خضوع القبيلة أمام السلطة الجديدة فهو حديث جاهل بأبسط أسس النظام القبلي.

القبيلة جماعة "تحكيمية".. بمعنى أنها تلجأ للتحكيم (الحل الوسط) وتتجنب الصراع قدر الإمكان، بما في ذلك تجنب الصراع ضد القوى المستجدة ودراستها من أجل الوصول الى منطقة وسط للتعايش معها.

نزع صفة الانسانية والمواطنة عن القبيلة مرض عنصري مستشر حتى في دراستنا وتحليلاتنا للمجتمع اليمنى.

أي ظلم يقع على اليمني تدفعه القبيلة مضاعفا.. تدفعه مرة في معاناتها من التبعات الاقتصادية والإنسانية مثل اي منطقة أخرى، وتدفعة مرة ثانية كمخزن للتجنيد القسري للمقاتلين، وكموضوع "استشراقي" مفضل عند المدني لالقاء كل آثامه وتحيزاته وعنصرياته على كاهل القبيلة.

* من صفحة الكاتب على الفيسبوك

-->