د. فاروق ثابتد. فاروق ثابت

"القات" والثلاثية المرعبة!

مقالات

2020-06-03 16:45:13

بعد سنوات طويلة من مضغ القات لفترتين متتاليتين يومياً نهاراً وليلاً، وصلت ماليزيا لإكمال دراسة الماجستير لأقضي حياتي بلا قات وصدمت بوضعي الصحي الهزيل جداً.

كنت لا أستطيع تحمل الجلوس تحت مكيف قاعة المحاضرات لأكثر من 40 دقيقة إذ يداهمني مغص واسهال، أو دوخة وبالتالي انعدام التركيز وارهاق مفاجئ ورغبة بالنوم ما يجعلني أغادر المحاضرة في منتصفها أو قبل انتهائها وانا منهك للغاية.

كنت إذا خرجت لأمشي أحس أن رجليَّ ستنفجران من شدة الوجع، وإذا دخلت (مول) لا أستطيع المشي أكثر من نصف ساعة.

وبعد مرور أقل من شهر من وصولي ماليزيا بدأ وزني ينقص، وزاد الضعف العام، وأصبت بمرض "الدنجي" وهو ما يعرف لدينا ب"حمى الضنك" ويعلم الله أنني أول مرة في حياتي أشاهد الموت بين عيني واحس انني مغادر الحياة بعد تلك الحمى الشديدة وضيق التنفس الذي جثم على صدري إلى جانب الكآبة والتعب ولولا قدرة الله ثم مساعدة أحد الزملاء الذي أخذني إلى طبيب هندي متخصص وأنا في آخر رمق حينها ليكتب لي علاجاً قوياً جداً وهو مرعوب من وضعي الصحي بعد أن اجرى الفحوصات لكنت الآن في عداد المتوفين.

وبعد أن تماثلت للشفاء اكتشفت أن أهم اسباب ما حصل لي هو الضعف العام الناتج عن سوء التغذية والانهماك في مضغ القات بصورة متواصلة في اليمن والذي بدوره يخدر الجسم ويبعث طاقة يومية وأنت تعيش في خدعة أنه يطرد الفتور والتعب ولكنه ينشطك فيما يكون جسمك هزيلا للغاية، وكلما تحس بالتعب تذهب لتقتني "قات" من جديد وينشطك وهكذا يتواصل الحال معك يومياً فيما جسدك متعب وهزيل وتعاني سوء تغذية وضعفا مزريا وانت لا تعرف ذلك كونك تداوي الامر بالتخدير اليومي دون أن تغذي نفسك أو أن تمنح نفسك حتى فرصة استرخاء بعيداً عن مضغ وتخدير القات.

بعد المرض، خرجت إلى إحدى المحال العربية واشتريت عسلا واجبانا وجهاز "توستر" وكنت اشتري ايضا (توست) - روتي رطب مقطع- يومياً اعيد تسخينه بجهاز ال"توستر"، وفي كل مساء وصباح كإفطار وعشاء، ادهن الجبن مع العسل في التوست وآكل ثم اتناول فاكهة بعد ذلك إلى جانب شرب سوائل وعصائر طازجة وتنويع وجبة الغداء، استمررت لفترة معينة مواصلاً هذا الامر، وفجأة بدأ وضعي الصحي يتحسن وكنت أواصل الجلوس في المحاضرة تحت المكيف دون الاحساس بالتعب والنوم أو المغص على عكس ما كنت عليه في السابق، حتى انتهى التعب تماماً وصرت اتحمل واركز على المحاضرات وصار لدي الامر طبيعيا كبقية الزملاء.

الخلاصة: اليمنيون يعانون سوء تغذية والبعض في مرحلة حادة، وهذا الامر يعطيهم ضعفا عاما يظهر كلما امتنعوا عن القات ويسارعون للتخلص منه بمضغ مزيد من القات لكن الامر يتفاقم لديهم دون ان يعرفوا وهو ما يؤثر مباشرة على مناعتهم بشكل عام..

وهذا الأمر أحد أهم الأسباب برأيي الذي جعل الأمراض من حميات وفيروسات تفتك بالكثير أكانوا شباناً أم شيوخاً وبالتالي تسجيل اليمن أعلى معدل وفيات في العالم وصل إلى نحو 20% من إجمالي المصابين.

بل والأدهى من هذا كله أن هذه الأمراض التي تداهم اليمنيين حالياً إلى جانب مشكلة القات تأتي واليمنيين كافة يعانون الثلاثية المرعبة من حرب وفقر وجوع، ما ضاعف من حجم الكارثة.

-->