فهمي الكاشففهمي الكاشف

ترقَّبوا مجيء الدولة البريئة براءة طفل يرضع إبهامه!

مقالات

2020-07-11 23:19:34

أسوأ ما في رفض بعض "المثقفين" أي إشارة إلى "جمهورية" و"إمامة"، في معرض تشخيص المرحلة التي تمر بها البلاد أو عند الحديث عن الحوثيين، هو أن الرفض يخفي إنكاراً خبيثاً متعالياً للجمهورية التي استمرَّتْ من 1962 إلى 2014 على الأقل.

وكأن الجمهورية الحَقَّة هي ما لم يحدث بعد! أو كأن الجمهورية الموعودة هي التي تنتظر زوال الأوضاع القائمة لكي تبدأ عهدها الميمون!

وكأن الجمهورية كاملة الصفات هي فقط ما سوف يعترف به في المستقبل مروان غفوري أو توكل كرمان أو محمد الربع أو عبدالغني الإرياني على أنه جمهورية! وإلى ذلك الحين علينا أن ننتظر.

وربما عليك أن تكون خبيراً دولياً يتحدث لغتين أو أكثر، ويستحسن أن تحمل لقب عائلة لها باع في الثقافة والسلطة، لكي يجوز لك أن تسمي الأشياء بمسمياتها، وباللغة التي يكافىء عليها في العادة المانح الأجنبي باعة الأفكار الجوالين.

والخبير الدولي من هذا الطراز لا يمكن أن يوافق، مهما كان، على أن "الجمهورية" هي المسألة أو حتى جزء من المسألة الراهنة في اليمن. فهذه بلاغة زائدة عن الحاجة. وما يحدث اليوم ليس لأنه كانت لدينا دولة انهارت أو جمهورية سقطت! لم تكن هناك دولة ولم تكن هناك جمهورية، هناك شيء ما سقط لكن لا يجد له هذا الخبير اسما. وهو مستعد للحديث عن الفساد أو الديكتاتورية أو "الهيمنة"، والهمجية الفطرية لهذه المنطقة أو تلك، وقد يستخدم كلمة رثة مثل "الاستبداد" لكي يعزو إليها كل شيء ويفسر بها كل شيء.

وعندما يحين الجد، فالذي سقط هي جمهورية بيت الأحمر، أو جمهورية عفاش الفاسدة، أو "جمهورية القبائل"، أمّا الجمهورية الحقيقية "الراشدة"، فلم تكن موجودة قط في الشمال لأنها سقطت في 5 نوفمبر 1967! وهذا كان منطق بعض نفايات وخردوات اليسار.

لا يحق لك أن تبكيَ على الدولة، لأنه لم يكن لدينا دولة لكي نتهم ثوار 2011 بالتمهيد لإسقاطها، فالدولة اليمنية الحقيقية والمنشودة هي ما سوف يأتي من هذا الخراب العفن!

وبالتالي عليك فقط أن تنتظر بقية عمرك لكي تعيش المعجزة مع كيس الهراء الفارغ خالد الآنسي أو الكيس الآخر في قناة الجزيرة أحمد الشلفي.

ومرة أخرى، عليك أن تنتظر لأنك في النهاية لست الخطيب والكاتب الروماني شيشرون لكي تقول مثلما قال متحسِّراً قبل أكثر من ألفي عام: "ضاعت الجمهورية"!

يا إلهي كم هذا التعالي مقرف وصفيق ورخيص!

هل لديكم فكرة عن اليمن التي تنتمون إليها؟

القليل فقط من الحس التاريخي يكفي لمعرفة أنّ الـ50 عاماً من عمر الجمهورية، والـ 20 عاماً من عمر الوحدة اليمنية، وكل ما شهدته البلاد خلال هذه الفترة الوجيزة، لم يكن سوى طفرة سعيدة من خارج السياق، ضربة حظ، انكسار مفاجىء وخلَّاق في النسق اللعين لأقدارنا التعيسة، وهذا كله لن يتكرَّر بالسهولة التي تتصورون.

وها قد عادت السفن المذحلة إلى مرابضها. والآن، بوسعكم أن تَسعدوا بأفكاركم اللامعة الخطيرة، وأن تتعطروا في مولات المطارات أثناء تنقلكم بين العواصم لبيع وجهات نظركم السمجة عن بلدكم المدمَّر.

جمهورية!

لا، كيف تكون جمهورية وقد أخفتْ قسرياً عدداً من معارضي النظام الحاكم في حقبة السبعينيات والثمانينات!

دولة!

لا، كيف تكون دولة وكان المشايخ يتجولون بمواكبهم ومرافقيهم المسلحين في شوارع عاصمتها!

إذن، على الجمهورية أن تكون، وبضربة واحدة، نظيفة، شفافة، ساطعة، تفوح منها رائحة الصابون لكي تستحق من المثقف العادل تنهيدة.

على الدولة أن تكون بريئة براءة طفل يرضع إبهامه في المهد لكي تكون جديرة بالبكاء والتَّحسُّر عليها إذا هي تحطَّمَتْ أو انهارات بمضاعفات حُمَّى ثورية.

"الجمهورية" الحقَّة ستأتيكم يا عمالقة الضمير والعدالة المرهفة الشاملة.

ترقَّبوا مجيء "الدولة" البريئة المطابقة لمعيار رضيَّة المتوكل وحسين الوادعي.

الغريب أن الجميع هنا، أقصد جميع هؤلاء النقاد والنشطاء، ليس لديهم موقف فكري وأخلاقي معادٍ لـ"الدولة" من حيث المبدأ، بمعنى أنهم لا يمارسون النقد والعمل السياسي باسم مبدأ الفوضى واللا دولة الذي يميِّز مثلاً جماعة يُطلَق عليها في الغرب (الأناركيين).

لكنهم، إذ يريدون الدولة، لا يقبلون أي دولة وكيفما اتفق، بل لكل واحد مواصفاته النظرية الأنيقة ومثاله الفكري والأخلاقي الخاص لما ينبغي أن تكون الدولة عليه.

وحتى عندما يستخدم هؤلاء الألفاظ والمفاهيم ذاتها في التعبير عن أمانيهم حول الدولة المراد بلوغها، فإن لكل واحد فهمه الخاص للكلمات، ويحمل كل واحد منهم في ذهنه نقطته المرجعية التي يحاكم الأمور بالقياس إليها.

وأحياناً يفكِّرون وفقاً لنماذج يشاهدونها اليوم وهي في الطور الذي تكون فيه الدولة قد ابتعدَتْ مسافة قرون عن بداياتها المضطربة والمتوحشة. إنّ حظَّهم من المعرفة لم يبلغ حَدّاً يدركون معه أن بُناة ومؤسِّسي الدول، وهم في التاريخ شُعث وغُبر مثل ذئاب البراري، لم ينطلقوا في أعمالهم غالباً من مثال أو من نظرية مسبقة، لقد كان مثالهم هو النشاط الدؤوب والفطنة والجسارة.

أمّا الكمال الأخلاقي والنضج، إذا جاز لنا الحديث عن كمال، فهو محصِّلة صيرورة تاريخية طويلة. وهل كنّا نحن إلّا في البدايات من كل شيء! بل إن ثمة رجالاً ونساءً، يمنيين ويمنيات، عاصروا اليمن الممزق، في خمسينات القرن الماضي، إلى 25 سلطنة وإمارة في الجنوب وإلى جوارها مملكة في الشمال غارقة في الظلام والعزلة، ثم عاصروا قيام جمهوريتي الشمال والجنوب في الستينات، وعاصروا اندماج الجمهوريتين عام 1990، ومنذ 2014 يعيشون التمزق والظلام شمالاً وجنوباً.

والآن ما عليكم سوى أن تسجِّلوا طلباتكم وأمانيكم الغالية بعناية لدى علي سيف أو نبيلة الزبير: دولة "مواطنة" متساوية أو متساوية إلا ربع، دولة مدنية "حديثة"، دولة بغمازات، دولة بالفلافل، جمهورية بنكهة جوز الهند... إلخ!

إنَّكم لستم حتى حالة مشابهة للكاتب الفرنسي العظيم شاتوبريان لكي نقول عنكم ما قاله عنه أحد الروائيين الفرنسيين في القرن التاسع عشر: "لا يَكتب شاتوبريان جملة واحدة بلا خطأ سواء في المشاعر أم في المحاكمة والبرهان بحيث إنّك عندما تقرأه ترى نفسك مضطراً أن تصرخ: حقّاً يا الله إنَّ كلّ ذلك باطل لكنّه مُسطَّر بشكل جيِّد".

فما يكتبه كثير من (مثقفينا) هو في الوقت نفسه باطل ومُسطَّر بشكل رديء!

-->