رواتب منهوبة ومعاناة بلا نهاية.. سياسة التجويع الحوثية تحاصر اليمنيين

السياسية - منذ ساعة و 53 دقيقة
صنعاء، نيوزيمن، خاص:

منذ ما يقارب عشر سنوات، تواصل ميليشيا الحوثي تجاهلها الكامل لملف صرف مرتبات مئات الآلاف من الموظفين المدنيين في مناطق سيطرتها، في واحدة من أطول حالات الحرمان الممنهج للأجور في العصر الحديث. 

هذا التجاهل لم يعد مجرد إخفاق إداري أو أزمة عابرة، بل تحول إلى سياسة ممنهجة تُستخدم كأداة ضغط وسيطرة، رغم الإيرادات الضخمة التي تجنيها الجماعة من الضرائب والجمارك والزكاة والاتصالات والمؤسسات الخدمية، في المحافظات الخاضعة لنفوذها.

وبينما تتذرع القيادات الحوثية بحجج واهية لتبرير وقف المرتبات، تتسع دائرة الفقر والبطالة، ويواجه الموظفون صعوبة متزايدة في تأمين الحد الأدنى من متطلبات العيش الكريم، وسط غياب أي أفق للحل، وانعدام شبكات الحماية الاجتماعية. 

وتكشف الوقائع الميدانية عن سياسة تمييز صارخة، حيث لجأت الميليشيا إلى تقسيم الموظفين إلى فئات (أ، ب، ج)، تُمنح الفئة الأولى – التي تضم قياداتها وعناصرها والمؤسسات الإيرادية – المرتبات والمكافآت بانتظام، فيما يُقصى بقية الموظفين وفق معايير الولاء والطاعة، في ممارسة تعكس نزعة عنصرية طبقية غير مسبوقة.

صرخات مستمرة

تصاعدت خلال الفترة الماضية أصوات الغضب من داخل مناطق سيطرة الحوثيين، كان أبرزها هجوم الفنان اليمني علي الكوكباني، الذي وصف سلطة صنعاء بـ"الحكومة العنصرية"، مؤكداً أنها قسّمت المجتمع الوظيفي إلى طبقات غير متساوية في الحقوق والامتيازات.

وأوضح الكوكباني أن الفئة الأولى، التي أطلق عليها وصف "البشوات وأولياء الله"، تضم قيادات المجلس السياسي الأعلى ومجلسي النواب والشورى، إلى جانب وزراء وقضاة محسوبين على سلالة واحدة، يحصلون على رواتب كاملة ومكافآت سخية، في حين تُركت الفئة الثالثة من الكادحين والفقراء لمواجهة مصيرهم دون أي دخل.

وتساءل الكوكباني بمرارة عن مصير المليارات التي تُجمع سنوياً من الزكاة والجمارك والضرائب، في وقت تُدفع فيه آلاف الأسر إلى التسول، وتتراجع الكرامة المعيشية للمواطن إلى مستويات غير مسبوقة. كما أشار إلى عجز كثير من الأسر عن تحمّل نفقات العلاج أو تعليم أبنائها، في مخالفة صريحة لنصوص الدستور المتعلقة بمجانية التعليم والرعاية الصحية.

اليأس يدفع إلى حافة الموت

في ظل هذا الانهيار المعيشي، تشهد المحافظات الخاضعة لسيطرة الحوثيين ارتفاعاً مقلقاً في حالات الانتحار، خصوصاً بين الموظفين والمواطنين الذين فقدوا مصادر دخلهم. ولم تعد هذه الحوادث حالات فردية معزولة، بل تحولت إلى مؤشر خطير على تدهور الصحة النفسية والاجتماعية، نتيجة الضغوط الاقتصادية الخانقة، وفقدان الأمل، وغياب أي شبكات دعم.

وربطت منظمات حقوقية محلية هذه الظاهرة بتفاقم الفقر، وتدهور الخدمات الصحية، وانعدام فرص العمل والتعليم، إلى جانب البيئة الأمنية المغلقة التي تُقيد الحريات، وتمنع أي تعبير سلمي عن المطالب الحقوقية.

تزامناً مع أزمة المرتبات، حذّرت ست منظمات دولية كبرى – بينها برنامج الأغذية العالمي، ومنظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، واليونيسيف – من تفاقم غير مسبوق في أزمة انعدام الأمن الغذائي في اليمن، مؤكدة أن البلاد باتت رابع أكثر دولة في العالم معاناة من الجوع.

وبحسب تقارير هذه المنظمات، يواجه أكثر من 18.3 مليون يمني مستويات "الأزمة" أو أسوأ من انعدام الأمن الغذائي، فيما يتهدد نحو 41 ألف شخص في مناطق سيطرة الحوثيين خطر المجاعة الكارثية (المرحلة الخامسة وفق التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي IPC).

وأظهرت البيانات أن 61% من الأسر اليمنية لم تتمكن من تلبية الحد الأدنى من احتياجاتها الغذائية، بينما يعاني 35% من حرمان غذائي حاد، وسط تراجع حاد في المساعدات الإنسانية. كما صنّف تقرير "بؤر الجوع العالمية" الصادر عن منظمة العمل ضد الجوع اليمن ضمن أخطر عشر بؤر للجوع في العالم، محتلاً المرتبة السادسة، مع معاناة 16.7 مليون شخص من انعدام حاد في الأمن الغذائي.

بدورها، حذرت لجنة الإنقاذ الدولية من دخول اليمن مرحلة شديدة الخطورة، مع احتمال حدوث مجاعة في أربع مناطق خلال فترة وجيزة. وأكدت أن أكثر من نصف السكان قد يواجهون مستويات متفاقمة من الجوع بحلول أوائل 2026، في ظل تمويل إنساني لم يتجاوز 25% من المطلوب، وهو الأدنى منذ عقد.

وأشارت اللجنة إلى أن بعض الأسر اضطرت لجمع النباتات البرية لإطعام أطفالها، في مشهد يعكس عمق الكارثة الإنسانية، محذّرة من أن استمرار هذا المسار قد يؤدي إلى خسائر فادحة في الأرواح ما لم يحدث تدخل دولي عاجل.

أولوية القيادات لا الموظفين

في مقابل هذه الكارثة، تواصل سلطة الحوثيين تقديم مبررات وُصفت بالواهية لعدم صرف المرتبات. وكشف مسؤول في وزارة الصحة بصنعاء عن توقف الرواتب منذ أشهر، بذريعة أن القطاع الصحي "ليس أولوية"، في وقت تُصرف فيه مخصصات قيادات الميليشيا ومشرفيها دون انقطاع. وأكد أن هذا الإهمال دفع آلاف العاملين الصحيين إلى ما دون خط الفقر، مهدداً بانهيار المنظومة الصحية في مناطق سيطرة الجماعة.

السفير اليمني السابق نايف القانص وصف تعاطي سلطة صنعاء مع ملف المرتبات بأنه "ابتزاز جماعي"، مؤكداً أن الجماعة تميّع القضية باستخدام شماعة "نقل البنك المركزي"، متسائلاً عن مصير الإيرادات الهائلة التي تُجبى بالقوة.

وأشار القانص إلى أن تحميل الموظف تبعات صراع سياسي لا يد له فيه يمثل جريمة أخلاقية وإنسانية، رافضاً استخدام فشل الحكومة الشرعية ذريعة لتجويع الناس، ومؤكداً أن ما يحدث هو عقاب جماعي ممنهج.

من جانبه، انتقد الناشط السياسي نايف المشرع السياسات المالية لسلطة الحوثيين، معتبراً أنها حوّلت مؤسسات الدولة إلى "حصالات جبائية"، تُقيَّم بمدى ما تجبيه لا بما تقدمه من خدمات.

وأوضح أن الإيرادات تضاعفت خمس مرات مقارنة بما قبل الحرب، دون أن ينعكس ذلك على صرف المرتبات أو تحسين الخدمات، محذّراً من أن هذا النهج يوسّع فجوة السخط الشعبي، ويقوض ما تبقى من ثقة بين المواطن والسلطة.

وتكشف هذه الوقائع المتداخلة أن أزمة المرتبات في مناطق سيطرة الحوثيين لم تعد مجرد ملف اقتصادي، بل باتت محوراً لانهيار اجتماعي وإنساني شامل، تتقاطع فيه سياسات التمييز، والجباية القسرية، وغياب العدالة، مع أخطر موجات الجوع التي يشهدها اليمن منذ عقود. وبين تجاهل داخلي وتحذيرات دولية متصاعدة، يبقى الموظف اليمني الحلقة الأضعف في معادلة سلطة تدير الموارد كغنائم، وتترك المجتمع يواجه مصيره وحيداً.