الموجز

عبدالحليم صبرعبدالحليم صبر

من يعيد لي هديتي من ساعي البريد

مقالات

2020-07-29 01:06:03

وقفت على رصيف الوقت ما يقارب العمر، في انتظار الهدية القادم من بلد صنف حسب مركز أبحاث مختصة أنها أكثر دولة يقرأ أبناؤها الكتب بمعدل 10:40 ساعة للشخص الواحد في الأسبوع، والتي تليها في القراءة تايلند.. ومع الأسف لم تكن هديتي كتاباً ولا قلما ــ ويا ليت كان.

كان انتظاري يحدثني عن ما إذا كان "ساعي البريد" ذا ثقة ليمنحه صديقي المرسل هديتي، بينما كان السؤال الأهم الذي لم أستطع الهروب منه، وهو كيف يمكن ضمان وصول رسالتك القادمة من بلد تسكنه مئات الديانات والمعتقدات، إلى بلد تحكمه وتسيطر عليه وتستغله ديانة واحدة، دون أن تخذلك هواجسك أو يسيطر على وقتك احتمالات وشكوك الفقدان.

كان سابقاً "ساعي البريد" يعتبر أكثر ما يتصدر حديث الناس، لما له من ثقة وسمعة طيبة تصل كل بيت، حتى صار في زمن ما جواب كل الأسئلة، وفي زمن آخر أعتبر بيت مال المُحبين.

ساعي البريد لم يكن اسما ألصق بشخص ما، بل كان الفرحة في شفاه الأطفال وقبلة في جبين الام ورائحة على عنق المناسبات، وكان المسافات البعيدة وكان الشجن المُشقر بالدموع، وكان العطر الممزوج بالموسيقي والناي وكان الإنسان الموصوف بالثقة مهما اختلفت أو تباعدت الأديان، فهو الذكرى والذاكرة الآمنة والمطمئنة لأشيائنا وفرائحنا.

أنتجت السينماء الأمريكية فيلم "ساعي البريد" الذي اخرجه "كوستنر" للروائي "ليفد برين" الذي حاز على جائزة الأدب الخيال العلمي عام 1985م، سلط فيه الضوء على شخصية موظف"ساعي البريد"، لما له من سمات كثير، مكنته من فرض نفسه أوساط المجتمعات المتعددة ذات الألوان والاتجاهات والديانات المتعددة، دون أدني شك من يكون ـ أي ساعي البريد ـ وما خلفيته وديانته ولونه.

شاركت الجزائر وسوريا في فيلم "ساعي البريد" بينما تناولت مصر وتونس هذه الشخصية المميزة التي شقت غبار المسافات واستجلبت علوم الأحبة، وانتشلت المحبين من تحت ركام السنين.

بين ما أنتجته السينمات العالمية وما انتجته المنصات الثقافية العربية، كان الشاعر اليمني العملاق "عبدالوالي الحاج" صاحب ديوان "همس الروح" الذي تضمن فيه 26 قصيدة، ومن أهم قصائده التي خاطبت الظنون والأمل، وخطت بيان الغياب وصدحت في وجه الاغتراب، محدثاً "ساعي البريد، الحامل للجمائل والبشائر، والبخور، ليجد البعيد نفسه على مقربة من الحبيب، بعد أن قرأ ملامح الفرح على وجة الوديان ,الجداول, السوائل.

رغم التطور التكنولوجي في العالم الذي اغتال "ساعي البريد"، إلا أنه ما زال يحمل حياة الناس السرية، وهو ما وجدته في قصيدة "عبدالوالي محمد الحاج" التي كُتبت بوتر اللهفة التي عشتها منذ 72 ساعة وأنا أنتظر رسالتي القادمة من خلف البحر.

فمنذ انطلاق هديتي مدرج الصداقة قبل ثلاثة أيام، وأعيش تحت سقف القلق، منها، 24 ساعة الأخيرة سكنتني حتى تحولت يومي إلى غياب أبحث فيه عن نفسي في شوارع الانتظار لرجل اجتزاء من هديتي نصف العمر.

كانت شكوكي وظنوني تترجم حقيقة الاحتمالات التي شاركتني قلق الانتظار، فبعد إحراق 18000 رسالة من قبل ساعي بريد في المغرب، وبعد رمي آلاف الرسائل في الشوارع مصر من قبل ساعي البريد، وبعد التحفظ على 24000 ألف رسالة داخل غرفته الخاصة من قبل ساع ياباني، لم أعد أثق بهم، ما بال من يناصفك هديتك بل وأكثر.

تتفاوت قضايا "ساعي البريد" حول العالم، بتفاوت ثقافات وقوانين البلدان، ما يجعل الجميع تحت القانون، لكن أمام ما أخذه مني "ساعي البريد"، كيف يمكن استعادته قبل يصعد الحجاج جبل عرفة.

-->