الموجز

د. ياسين سعيد نعماند. ياسين سعيد نعمان

هرطقة بكلفة باهظة ثمنها الدولة

مقالات

2020-08-10 21:32:57

العرب، ومنذ أن تحملوا مسئولية بناء دولتهم الوطنية برحيل المستعمر والمحتل الأجنبي بأرديته المختلفة، وهم يجربون أنماطاً عدة من بنى الدولة ونظمها السياسية.

القاسم المشترك لهذه الأنماط قاطبة هو أنها نخبوية-فوقية، يقوم فيها النظام السياسي على الغلبة وإخضاع الشعوب، والسلطة فيها مطلقة، ومصدرها القوة الغاشمة، تظهر فيها السلطة وتغيب معها الدولة.

لا شرعية شعبية حقيقية لها، اللهم إلا تجميع هش لعناصر ملفقة من موروثات لا يمكن أن تكون بديلاً محترماً لسلطة مصدرها ومالكها الشعب.. لا فرق أكانت جمهورية أو ملكية، ربما كان الفرق الوحيد هو أنه بينما احتفظت الملكية بتقاليدها في سياقاتها الأبوية، فقد فشلت الجمهورية في احترام أسسها وقيمها الجماهيرية.

جرب العرب:
-الدولة الوطنية النخبوية والتي قادها العسكر عبر ثورات، وانقلابات، فشلت في نقل السلطة إلى الشعب، وكل ما أنتجته هو نخب متصارعة يهيمن عليها الفساد في معظم الأحيان، مع أنظمة اجتماعية واقتصادية هجينة ومغلقة على مصالح القلة، مقابل الإفقار الواسع للمجتمع، وانتهت إلى عائلية في حالات كثيرة.

-دولة المحاصصة الطائفية التي أغرقت المجتمع في انقسامات ضاعت فيها المواطنة وضاع معها مفهوم الوطن، وانبرت من غبار التاريخ روافد محقونة بالعصبية الدينية والعرقية على نحو باتت معه "العصبة" أكبر من الوطن.. وكل ما قدمه هذا النموذج هو أنه فتح مزيداً من الدوافع للحروب الداخلية، وأغلق على دولة هشة مفككة لا مستقبل لها.

-دولة الرفاه، وهي التي تعتمد الثروة أساساً لبناء الدولة وخلق علاقة مستقرة إلى حد ما مع الشعب، مع توجه عام بتبني عناصر ليبرالية في البنيان السياسي والاجتماعي للدولة لتعويض المشاركة السياسية. وهذا النموذج لا يمكن تطبيقه إلا في بلدان واسعة الثراء وهي محدودة ولا يشكل نموذجاً قابلاً للتطبيق بسبب كلفته الباهظة.

-الدولة الأيديولوجية، وهي التي تنتج نظاما سياسيا واحتماعياً مغلقاً وقمعياً، ولا توفر شروطاً مناسبة لبناء الدولة الوطنية المستقرة بقواعد التعددية السياسية والثقافية وقواعد المواطنة.

-اليوم، التلويح في وجه اليمنيين بمشروع محمول بروافع ما يسمى "الغدير" لتكريس نمط عصبوي سلالي للحكم هو أمر يشق طريقه وسط هذا التوهان الذي لم يستطع أن يستدل معه حتى الآن على طبيعة الدولة التي توفر مظلة وطنية للجميع، ولا يمكن هزيمة هذه الهرطقة إلا بهذه الدولة الوطنية الديمقراطية الحديثة العابرة للأعراق والطوائف، بنظام مدني تكون فيه المواطنة المتساوية أمام القانون هي القاسم المشترك لكل القوى التي تتطلع إلى إنقاذ اليمن من مشاريع التخلف.

-المبارزة مع هذا المشروع من داخل أباظير التاريخ المفعم بالصراع والغموض والتناقض، هو أشبه بقرع طبول حروب دائمة لا يستفيد منها سوى هؤلاء الذين يثيرون غبار التاريخ في وجه الدولة.

*من صفحة الكاتب على الفيس بوك

-->