جلال محمدجلال محمد

الشعب المنفي والوطن المسلوب

مقالات

2020-10-02 20:43:29

يحدث أن يفهم الإنسان أي حديث عن المنفى، في الغالب الأعم، بأنه يعني الأفراد فقط، كونه معاناة فردية، فالمنفي هو شخص حرم من وطنه لسبب من الأسباب، تتصل في غالبها بضروب الاضطهاد الديني أو العرقي أو السياسي، حين يتصل الأمر بأصحاب المواقف السياسية أو الفكرية المختلفة في المجتمعات التي تنعدم فيها، أو تضيق، حرية التعبير.

ولكن هل سمعت بشعب منفي بأكلمه؟! حينها لن تجد ما هو أكثر وجعاً وقسوة، من نفي شعب من الشعوب قسراً، وإجباره على أن يعيش في منفى بعيداً عن ذاته، وقيمه وتطلعاته، لا لشيء إلا لأنه شعب يحب الحياة، مل من الصراع، وفرضت عليه أجندات دموية استباحت كل شيء ابتداءً من الوطن وانتهاءً بحريته وكرامته وحقه في الحياة الكريمة كباقي شعوب الأرض.

شعب تآمرت عليه قواه السياسية التي يفترض بها أن تعمل لصالحه ومن أجل مستقبل الأجيال فيه، وباسمه قامروا وبمآسيه باعوا واشتروا، ورغم سنوات الألم التي يعيشها، ما زالوا مصرين على تعذيبه وتمزيقه وتجويعه، وبكل سقوط يرفعون جميعاً شعار (حب الوطن والشعب).

يعيش شعبنا اليمني في منفى جماعي وسجن كبير يمتد ويتسع كل يوم، بقدر الوجع الذي يتسع في كل شبر من أرض اليمن، وكلما لاحت أمامه بارقة أمل لكسر أسوار السجن الذي أحاطته به المليشيات أو (الشرعية) بمن فيها من الحاكمين النائمين والمتاجرين والمتحكمين والناقمين والفاسدين والمتحدثين باسم الله، داهمتها الخيانات من هنا وهناك، واستنفرت الجماعات الدينية نفسها كي تغتال ذاك الأمل في صنعاء ومارب وشبوة.

محنة المنفى، فردياً كان أو جماعياً، لشخص أو لشعب لا تكمن في كون المنفي مرغماً على العيش خارج وطنه؛ بل أيضاً في كونه يعيش يومياً مع ما يذكره بأنه منفي ومنفصل عن هويته، فلا يتواءم مع الوضع القسري الجديد ولا مع الثقافة الدخيلة المُراد فرضها عليه.

ما أصعب من أن يعيش شعب في وطن يشعر أنه حُرم منه.

-->